رحلة الدم.. كيف تدفعك رواية واحدة لبغض جميع الصحابة؟

يحفل تاريخ الإعلامي المصري إبراهيم عيسى بالكثير من المواقف الجدلية من الناحية الدينية، فتارة ينكر عيسى فرضية الحجاب في الإسلام (1)، وتارة ينكر عذاب القبر وينكر وجود عقوبة لتارك الصلاة (2)، وتارة يزعم أن سيدنا عمر بن الخطاب قد تحرش جنسيا بسودة بنت زمعة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم (3)، وأخيرا في سبتمبر/أيلول عام 2016م، نشر عيسى روايته "رحلة الدم: القتلة الأوائل" بعد أربع سنوات من صدور روايته المثيرة للجدل كذلك "مولانا" التي تم تحويلها لاحقا إلى فيلم سينمائي.

 

واحتلّت رواية "رحلة الدم" في بعض دور النشر مكانة أكثر الروايات مبيعا (4)، وقالت الدار الناشرة لها إن الطبعة الأولى للرواية قد نفدت في خلال خمسة أيام فقط، وهو ما اعتبرته الدار سبقا لم يحدث في دور النشر المصرية قبل ذلك (5). وعقب صدورها مباشرة، أثارت الرواية جدلا كبيرا لأنها تتناول أحداث الفتنة الكبرى التي أعقبت وفاة رسول -الله صلى الله عليه وسلم- وتحديدا قصة مقتل عثمان بن عفان الخليفة الثالث بعد أبي بكر وعمر -رضي الله عنهم-.

 

فلماذا ظهر الجدل حول هذه الرواية؟ وكيف صوّر إبراهيم عيسى في رواية "رحلة الدم" شخصيات الصحابة؟ وما صحّة ما أورده من مرويات تاريخية؟ وهل كانت الرواية معتمدة على مراجع تاريخية موثوقة أم تعتمد بشكل مجرّد على خيال المؤلف وتصوّره الشخصي؟

    

كيف صوّر إبراهيم عيسى الصحابة؟!

ينقل إبراهيم عيسى في روايته أن عمرو بن العاص كان يسرق من خزائن مصر ويبني بأموالها قصورا شخصية له، كما أن عيسى يصوّر زوجة عثمان بن عفان نائلة بنت الفرافصة أنه كان لا يشغلها سوى أن تسيطر على زوجها جنسيا من خلال التعلّم على يد معلّمة الجنس في المدينة المنورة.

 

وكعادة الأدب الهابط، يصوّر عيسى كثيرا من المشاهد الجنسية في روايته، منها ما كانت تحكيه نائلة زوجة عثمان لمعلّمة الجنس تصف فيها ليلة دخلتها على زوجها عثمان فقالت: "ودخل الخليفة إلى سريره فجلس وكنتُ هناك في ركن على أريكة لا زلت أجمع شتات روحي وأنفض عني قديم حياتي فقال لي: هل آتي لك أم تأتين لي؟ قمت لحظتها بين الدلال والإقبال وجلست عند حافة فراشه فلامست أنفاسه بأنفاسي" (6).

   

   

ويقرّر عيسى بأن الخوارج -وليس الصحابة- هم من نصّبوا عليا بن أبي طالب خليفة المسلمين بعد عثمان بن عفان. وينقل عيسى حوارا بين عمار بن ياسر وعثمان عيّرا فيه بعضهما البعض بأمهاتهما بسبب أن عثمان كان يأخذ من حليّ بيت المال ويعطيها لزوجته.

 

كما يصف عيسى حوارا بين عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل بأنه كان عبارة عن "شخط ونطر" بألفاظه، وينتهي الحوار بقول معاذ لعمر: "لن أطيعك في شيء". كما يسرد عيسى العلاقة الوثيقة بين عبد الرحمن بن ملجم -قاتل عليّ بن أبي طالب- ومعاذ بن جبل ليعطي انطباعا للقارئ أن معاذا وعبد الرحمن وجهان لعملة خبيثة واحدة.

 

صحابة أم عصابة؟!

بلغ عيسى من تشويهه لصورة الصحابة إلى درجة شديدة الإسفاف، إلى حد أن الكاتب أسامة الهتيمي يقول: "لولا إهداء إبراهيم عيسى ولولا ذكره لبعض الصحابة بأسمائهم لما تخيّل القارئ أن تكون شخصيات الرواية هي شخصيات لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هي عصابة لا يشغلها إلا المال والنساء وسفك الدماء" (7).

 

ويصف الهتيمي شعور القارئ عندما يقرأ تصوّر إبراهيم عيسى للصحابة، فيقول بأن القارئ يشعر وكأن الصحابة "ذئاب بشرية، لا يمكن على الإطلاق أن يستشعر القارئ بالرضا تجاه أية شخصية من بينهم، بل إن القارئ حتما ولا بد وأن ينظر لكلٍّ منهم على حدة باعتباره رجلا ماديا انتهازيا متآمرا وحقيرا لا يسعى إلا لتلبية نداءات الرغبة في السلطة أو المال أو شهوة الجنس" (8).

    

أمّا حسام عقل، أستاذ الأدب بجامعة عين شمس، فيرى بأن إبراهيم عيسى قد "حشا كتابه الضخم بكل ألوان التشهير ضد المسلمين آنذاك، فهم متآمرون، قساة، غلاظ القلوب، لم يقدّموا منجزا واحدا، ولم يلتزموا في حربهم التي شنوها ضد مصر بـ (أخلاقيات المحاربين) ولو لمرة واحدة، بل أشاعوا الرعب، ونموا التآمر، واحتقروا المصريين" (9).

والسؤال هنا: من أين أتى إبراهيم عيسى بكل هذه التصوّرات السلبية عن الصحابة؟

 

أكذوبة المصادر.. هي لله؟

يبدأ إبراهيم عيسى روايته بإهداء من كلمتين فقط: "هي لله". ويتساءل الكاتب باهر سليمان كيف يكتب عيسى هذا الإهداء وهو "يتهم الصحابة في ذمّتهم وعدالتهم وهم الذين زكّاهم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم؟"(10).

 

أمّا الكاتب محمد عادل المحلاوي فيرى أن الإهداء الذي كتبه عيسى لا يختلف كثيرا في حقيقته عن قول قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه وهم يصرخون بذات الكلمة (11). ثمّ ينتقل عيسى إلى تنويه للقارئ في صفحة خاصة في بداية الرواية بأن "كل أحداث الرواية تستند على وقائع وردت في المراجع التاريخية مثل "تاريخ الرسل والملوك" للطبري، و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير، وغيرهم" (12)، ممّا قد يوحي للقارئ أن الكاتب قد بذل جهدا مضنيا في التحقيق والتدقيق والبحث، لكن ما مدى صحة هذا الظن؟!

   

  

يقول حسام عقل إن إبراهيم عيسى "رصّ عناوين المراجع التاريخية في المقدّمة، لكن هذا لم يكن أكثر من محاولة ساذجة لتخويف الدارسين والقرّاء، أو تحذيرهم الصارم من محاسبة الكتاب تاريخيا، وإيهامهم أن كل ما تضمنه الكتاب حقائق لا يتطرق إليها شك". ويضيف: "إن الكتاب في صفحاته الداخلية لم يوثق في الهامش حدثا تاريخيا واحدا بمرجعه، أعني توثيق كل واقعة تاريخية بذكر عنوان المرجع ورقم الصفحة وتاريخ النشر والطبعة في الهامش!" (13).

 

كذلك فإن مرجع "سقيفة حبي" لجورج كدر الذي اعتمد عليه عيسى فإنه في الحقيقة يعتريه الكثير من العوار، بل إنه غير مصنف ككتاب تاريخي أصلا، يقول باهر سليمان: "لا أدري بأي منطق أو عقل يمكن أن يكون هذا الكتاب الذي يؤرّخ للجنس عند العرب مرجعا تاريخيا، فهو يعتمد على حكايات كتب الأدب عن الجنس والمجون عند العرب". ويضيف سليمان: "ومعلوم عند أصغر طالب علم في علم الحديث [1] أن كتب الأدب لا تصلح للاحتجاج التاريخي وأن مروياتها في الغالب مطعون فيها" (14).

 

ويشير سليمان إلى أن بقية المصادر ليست مصادر صحيحة في ذاتها، فمثلا يخبرنا سليمان أن كتاب "تاريخ الرسل والملوك" للطبري لم يشترط فيه الطبري نفسه صحة الروايات ولكنه اهتم بنقل الإسناد فحسب، أي أن الطبري سلك طريق: من أسند فقط برئ وحمّل القارئ،[2]  ومعنى ذلك كما يقول سليمان أن "مرجع الطبري في ذات نفسه ليس بحجة وإنما الحجة في سند المرويات التاريخية، وبما أن إبراهيم عيسى ومن على شاكلته لا يفقهون هذا العلم فإنه لم يقدّم للقارئ حيثيات اختيار الرواية ولا منهج التحقيق التاريخي" (15).

 

ويعطي سليمان مثالا على ذلك فيقول: "لن يقول عيسى للقارئ كيف تأخذ الرواية الفلانية من الطبري وفيها (سيف بن عمري التميمي) و(أبي مخنف لوط بن يحيى) وهما من الضعفاء عند أهل الحديث، أو كيف تأخذ هذه الرواية عن ابن سعد وقد نقلها من الواقدي المتهم بالكذب والتشيع" (16).

 

أخطاء تاريخية بالجملة

في تقرير أصدره مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر(17) ورد فيه أن إبراهيم عيسى هدف من خلال روايته إلى تبني فكرة "عقيدة نزع القداسة" والتي تتبناها التيارات المنحرفة، فذكر التقرير من ضمن المصادر التي اعتمد عليها عيسى في روايته هو كتاب "أنساب الأشراف" للبلاذري وهو شيعي يورد روايات مكذوبة كثيرة، منها على سبيل المثال ما أورده عيسى طويلا عن الصحابي عبد الرحمن بن عديس ومشاركته في الخروج على الخليفة عثمان وقتله فيما بعد فهي رواية غير ثابته نقلها فقط ابن لهيعة، وهو شديد الضعف عند أهل الحديث (18).

 

ويبدو أن مصادر إبراهيم عيسى في رواياته عن الصحابة، سواء في الرواية أو في خارج الرواية، تعتمد في غالبها على مصادر شيعية فحسب، فوفقا لعبد المنعم فؤاد، أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، فإن المصادر التي يعتمد عليها عيسى هي في الحقيقة "مصادر مضللة ولا يوجد في كتب السنة أيا مما يذكره إبراهيم عيسى. وكل ما يقوله موجود بالحرف في كتب الشيعة الذين يتطاولون على صحابة رسول الله ويشكّكون فيهم ويكيلون لهم الاتهامات كذبا وزورا". ثمّ يضيف: "أنا لا أتهم إبراهيم عيسى بالتشيّع إنما أؤكد بما لا يوجد مجال للشك أنه ينقل حرفيا من كتب الشيعة، وكل المتخصصين يؤيدوني في ذلك" (19).

  

 

  

ومن ضمن ما نقله عيسى كذلك أن عثمان بن عفان قد دُفن في مقابر اليهود لا في مقابر المسلمين، وهو أمر غير صحيح لم يقل به أحد من المحققين، فقد أورد ابن كثير اتفاق المسلمين على دفن عثمان بمقابر المسلمين مباشرة بلا تأخير فقال في مؤلّفه الضخم "البداية والنهاية": "وأما موضع قبره -أي عثمان- فلا خلاف في أنه دُفن بحش كوكب شرقي البقيع" (20).

 

وفي تناقض عجيب يروي عيسى أن طلحة بن عبيد الله قد موّل قتلة عثمان، أمّا السيدة عائشة فيسرد بأنها أول من حفّزت المجتمع لقتل عثمان، ويتعجب الداعية المصري حازم شومان من هذه المرويات ويقول إن السيدة عائشة وطلحة بن عبيد الله شاركا في معركة الجمل ثأرا لدم عثمان أصلا، فكيف يُتصور أنهما يطالبان بثأر لمن شاركا في قتله ابتداء؟ (21)

 

كتاب لا رواية

هكذا إذن كانت الرواية بمنزلة عمل هجين بلا مصادر موثوقة، ولا روايات متصلة، وامتلأت الرواية بتشويهات بالجملة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقارئ العادي لا يعي ما يقرأ ولا يستطيع أن يميز الغث من السمين، فيتلقى كل ما يورد في الرواية وكأنه حقيقة تاريخية ثابتة لا يمكن لكاتب بمثل إبراهيم عيسى أن يلفق حقائقها أو يزور مضامينها.

 

لكن الحقيقة أن إبراهيم عيسى، كما يقول محمد عادل المحلاوي، "قد سقط في فخ تسطيح الشخصيات كأفلام الأبيض والأسود المصرية تماما.. وفي النهاية لا تصلح الرواية أن تُسمي العمل تأريخيا لتلك الفترة، لكنه مجرد قصص وحكايات عن مجموعة من الشخصيات التي سطّحها الكاتب، وربطها بشخصيات حقيقية لتكون أكثر إثارة ومدعاة لتهييج آراء الناس" (22).

 

أمّا حسام عقل فيرى أن "إبراهيم عيسى عمل على اعتبار "رحلة الدم" رواية، لينجو الكتاب من أي مساءلة تاريخية أو توثيقية أو أخلاقية! ولم يكن الكتاب رواية قدر ما كان منشورا موتورا، ينفجر حقدا ضد الإسلام، تاريخا ورموزا.

————————————————————————-

 

المراجع

(1) https://www.youtube.com/watch?v=vpiT6StHrUg

(2) https://www.youtube.com/watch?v=oHjHuVKXNx4

(3) https://www.youtube.com/watch?v=IEb4jCgZ8V0

(4)  "أرض الإله" في المرتبة الثانية لمبيعات "ديوان"

(5) http://www.elfagr.org/2311259

(6) [1] إبراهيم عيسى، رحلة الدم، ص/ 227.

(7)  رواية رحلة الدم .. إبراهيم عيسى يتعرى

(8)المصدر السابق

(9) http://souteelgamaheer.com/?p=5186

(10) باهر سليمان، روايات في ميزان النقد، ص/ 44.

(11) "رحلة الدم": عودة ابن سبأ

(12) إبراهيم عيسى، رحلة الدم: القتلة الأوائل، (القاهرة: دار الكرمة، 2016م)، ص/ 8.

(13) [1] http://souteelgamaheer.com/?p=5186

(14) سليمان، روايات، ص/ 45.

(15) المرجع السابق، ص/ 48.

(16) المرجع السابق ص/50.

(17)  رواية رحلة الدم .. إبراهيم عيسى يتعرى

(18) [1] http://www.masress.com/akidaty/1408050600

(19) [1] http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=59&ID=910&idfrom=822&idto=842&bookid=59&startno=5

(20) [1] https://www.youtube.com/watch?v=OXWfhXS8fDY

(21) [1]  "رحلة الدم": عودة ابن سبأ

(22) [1] http://souteelgamaheer.com/?p=5186



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

استعرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مهاراته في الرماية باختباره أحدث بندقية قنص روسية من نوع كلاشنيكوف، أطلق منها بضع رصاصات أصاب أكثر من نصفها الهدف.

الأكثر قراءة