العرب.. كثيرون حول الشكوى.. قليلون عند وضع الحلول

كم هائل من المشكلات المزمنة يُعاني منها الناس في الدول العربية والإسلامية، وعلى الرغم من ذلك هناك تعايش غريب وعجيب مع هذه المشكلات التي لا توجد أي بادرة لحلها في المدى القريب، وهناك مستويات لهذا التعايش على المستوى الشخصي والأسري، وعلى مستوى المجتمع والدولة. وأكبر دليل على التعايش مع المشكلات في الدول العربية هو الرضا بالواقع الأليم الذي يعيشه الناس في هذه الدول دون التفكير في تغييره وكأنه قدر كتب عليهم ولا مفر لهم منه ولا خلاص. والأمثلة الواقعية على التعايش مع المشكلات والمنغصات كثيرة.

 فعلى المستوى الشخصي نجد تعايش الزوج أو الزوجة مع الطرف الآخر على الرغم من الظلم والقهر والإساءات المتكررة، بحجة وجود أولاد أو خوفًا من لقب مطلقة، أو تطبيقًا للمثل القائل "ضل راجل ولا ضل حيطة"! وفي مجال العمل نجد التعايش مع مشكلات عديدة منها تقصير الزملاء في العمل وإلقاء المهام على عاتق الآخرين، أو العمل مع مدير متعسف متخلف، أو العمل في أجواء سلبية لا تشجع على الإبداع والابتكار .وفي المجتمع نجد التعايش مع الواسطة والمحسوبية ومع دفع الرشوة من أجل إنجاز المعاملات الشخصية أما على مستوى الدولة، نجد التعايش مع الفقر والبطالة وتردي الخدمات التعليمية والصحية، ومع ذلك لا يفكر أحد في توجيه اللوم وإلقاء المسؤولية على الحكومات الفاسدة والفاشلة والعاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطنين. والصمت على فساد الحكومات العربية له أسباب، منها البطش والقمع والانتهاك الواسع للحقوق والحريات، والخوف غير المبرر من حدوث فوضى أو انفلات أمني في حال المطالبة بالحقوق المشروعة، والتبرير المقيت هو "أحسن ما نكون زي سوريا والعراق" ولا يطرح هؤلاء الحمقى السؤال المنطقي الذي نقارن فيه دولنا بدول أخرى متقدمة وهو: لماذا لا نكون ككوريا أو ألمانيا مثلًا؟! ومن العجيب في هذا الدول صبر الناس على الذل والظلم والمهانة منذ عقود، وأقصى ما يطالبون هو مقومات الحياة الأساسية من طعام وشراب ومسكن.

لا يوجد أي نوع التحرك أو السعي لتغيير الاوضاع المزرية التي بلغت في بعض الدول حدًا من السوء لا يمكن التعايش معه، وربما لا يوجد أسوأ منه على الإطلاق.

والسبب الرئيس في نمط تعايشنا كعرب ومسلمين مع المشكلات هو المفهوم الخاطئ للصبر، والذي يعني عند هؤلاء الرضا بالمعاناة والألم والهم والنكد وبالدون في كل شيء، وعدم التطلع إلى الحياة الكريمة التي ينبغي أن يحياها كل إنسان على وجه الأرض. فتوفير الحياة الكريمة للمواطنين هي مسؤولية الحكومات في كل دول العالم، ما عدا الدول العربية والإسلامية التي تتفنن في إذلال شعوبها وتحرمهم من أبسط مقومات الحياة الآدمية. والشعوب في الدول العربية والإسلامية أدمنت التعايش مع المشكلات المزمنة كالفقر والبطالة والفساد والاستبداد وتردي مستوى التعليم والخدمات الصحية. وما يشجع ويسهل على هذه الشعوب التعايش مع المشكلات، هو السكون في منطقة الراحة وعدم الرغبة في الخروج منها. كذلك آلة القمع الوحشية التي تمتلها النظم الحاكمة، وميراث قديم من الأقوال التي تكرس الرضا بالدون في كل شيء، وترفض التغيير جملة وتفصيلًا. وعلماء السوء والسلاطين زينوا للعامة أن الفقر والزهد في الدنيا فضيلة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الفقر والكفر، والزهد يكون في الموجود ولا يكون أبدًا في المفقود. وزينوا لهم أن الرضا بالظلم والاستبداد طاعة لولي الأمر وإن جلد ظهورهم وأخذ أموالهم وهو ما تأباه الشريعة السمحة التي قوامها العدل والحرية والكرامة، والتي جاءت لصيانة الدين والنفوس والعقول والأعراض والأموال.

والأوضاع المزرية في الكثير من الدول العربية والإسلامية والتي ازدادت سوءًا وسوداوية في الآونة الأخيرة، نتج عنها شعور عام بالعجز عن مواجهة المشكلات، وهو ما يفسر حالة الركون لدى قطاع عريض من الجماهير في هذه الدول بما في ذلك طبقة النخبة والمثقفين. والتعبير الوحيد عن الكم الهائل من المشكلات في الدول العربية والإسلامية هو الشكوى والتبرم من سوء الأوضاع، وفي المقابل لا يوجد أي نوع التحرك أو السعي لتغيير الاوضاع المزرية التي بلغت في بعض الدول حدًا من السوء لا يمكن التعايش معه، وربما لا يوجد أسوأ منه على الإطلاق. والحل يكمن في بذل الجهد من أجل التغيير على المستوى الفردي والجماعي، يقول الله عز وجل: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ" سورة الرعد: 11.

وفي خضم هذا الكم الهائل من المشكلات والتعاطي السلبي معها ما أحوجنا كعرب ومسلمين إلى خصال الروم التي تحدث عنها عمرو بن العاص رضي الله عنه قبل ألف وأربعمائة سنة، فعن المستورد بن شداد الفهري، رضي الله عنه قال: "تقومُ الساعةُ والرومُ أكثرُ الناسِ. فقالَ لهُ عمرو: أبصرْ ما تقولُ. قال: أقولُ ما سمعتُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. قال: لئنْ قلتَ ذلكَ، إنَّ فيهِمْ لخصالًا أربعًا: إنهُمْ لأحلمُ الناسِ عندَ فتنةٍ. وأسرعُهمْ إفاقةً بعدَ مصيبةٍ. وأوشكُهمْ كرَّةً بعدَ فرَّةٍ. وخيرُهمْ لمسكينٍ ويتيمٍ وضعيفٍ. وخامسةٌ حسنةٌ وجميلةٌ: وأمنعُهُمْ مِنْ ظُلمِ الملوكِ". صحيح مسلم: 2898. فنحن كعرب ومسلمين بحاجة للحلم في التعامل مع الفتن التي تعصف بالأمة، وبحاجة لإفاقة سريعة من المصائب التي تصيبنا تترى، وبحاجة إلى إعداد العدة لمواجهة الأعداء الذين تكالبوا علينا، وبحاجة ماسة لرعاية ملايين المساكين والأيتام والضعفاء، وبحاجة أشد للصفة الخامسة الجميلة، وهي مقاومة ظلم الملوك الذين أذاقوا الشعوب العربية والإسلامية الويلات وحرموهم من خيرات وثروات بلادهم ووضعوا مقدرات الأمة بين يدي أعدائها، فهل من مقاوم؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال مسؤول سعودي إن 60% من المواطنين لا يملكون مساكن، وحذر من بلوغ هذه النسبة 80% في حال لم يُعمد إلى حلول إبداعية لحل المشكلة. واعتبر أن الإسكان يعد أكبر المشاكل التي تواجه الشباب في المملكة والمنطقة العربية بأسرها.

الأكثر قراءة