تحت سطوة الذكرى.. كلنا نتألم!

blogs تأمل

يغلي الحديث في قِمّة اللّسان ولا يُنطَق، تتلاطم كثرةُ الكلماتِ في القلب ولا تُضَخ، تترقرق الشُّرُوحات في العين عبراتٍ ولا تَنهمر ويسيل الثمانِ وعشرون حرفا في الحبرِ ولا يُخطّ، كلٌّ محاصرٌ في قُمقُمِه يأبَى السَّراح، يخشى آلامَ عواقبِ الإفصاح، مشاعرٌ مبعثرةٌ أكتفي بمحاولةِ ترتِيبها فيَّ علّي أفهمها، علّي أفهمُ نفسي، لا معنى لهذا غير أنّ المعنى كلُّه في هذا.

اختلّ توازنُ الوصفِ عندي لاختلالِ تقبُّلي لما يدور في مجرّةِ حياتي حولِي، كلٌّ يتّخذ له كوكبًا خاصّا ليَنفرِد بزاويتِه، ثمّ يستقلُّ بمركبِه سبيلًا غير الذي كان عليه قبلَا، ويمضى ولا يُخلِّف سوى خيالاتِ مَدارِه أتَتبَّعُها بعينِ ترقُّبي كلّما انتعشَت فيَّ حادثةٌ كان قد رصَّها في تلافِيفِ ذاكرَتي منذ عِقدِ شوقٍ من الزَّمن، يداهِمني الدُّوار وأنا أروح وأجِيء بذاكرتي بين ما فعل في زمانِه وبينَ ما لم يفعل في نهاية زمانِه، ذلك الشّخص المتغرِّب الذي أضحَى بعد موتِ غيابِه، حياةً تَبُثُّ في أوصالِ النّسيان خيرًا على الذاكرة تَلِيد، و تُكتبُ بخيوطِ التَّجاوز والوداعِ أسلاكًا مُلغّمةٍ من حديد، لا تسمح بالتجاوز شبرَ وعدٍ آخر -جميلٍ عندَ اللّقيا قاهرٍ عند الرّحيلِ الجديد-.

راهنت بريعان شبابي وخَصَمت منه لحظاتٍ أثمنَ من أن تُراقَ سدًى في سبيل الحفاظ على ذكرياتهم خالدةً في جوفي، فلمّا بلغ السّيل منِّي الزُّبَى أدركتُ أنّ حياتي تنتظرُني، وأنَّ روحي أحقُّ بالعناية والحب، تلك التي أُثقِلت مرّةً بصدمةِ التخلِّي ومرَّاتٍ بسَرد حَكَايا الماضي، تلظَّت في كلّ حكايةٍ فوق نار التحسُّر آهٍ لو أنَّ الذِّكرى لم تتعدَّى حِصَّتها من روحي.

الشّفقة باتت دون إِصغاء والإِصغاء بات دون تفهُّم والتفهّم بات دون حِراك، يكتفي المُصغي بالإِيماء برأسِه صعودًا ونزولَا، يمينا وشمالا، وإن تجاوزت به الرأفة ذلِك يردّد كلمات مواساةٍ "كل مرٍّ سيَمُر"

أستقِلُّ مركبًا جديدًا بنفسي كلّ يوم جديد، عَلِّي أتجاوز الشعورَ المُعتاد للجديد، غائبةٌ حاضرةٌ في اللَّاوعي مِنّي، شيَّدت هناك قلاعًا وقُصورا، واتّخذت لي فيه مُتنزّهًا وِديانًا وأنهارَا، غرست على حدود جمجمتي أزهارًا وأشجارا في انتظارِ أن تزهر الحياة والأمل في حياتي مجدّدًا، أستغفِل الجميعَ بِحِلِّي بينهم، وأتَّخذ سبيلًا بعقلِي للتّرحالِ إلى عالم الخيال، الذي جعلت منه مَهربًا  لي من ضغوطاتِ نفسيّاتِ الكلِّ ممن يُحاوِطون جسدي الهزيل، الذي بات أقرب منه إلى هيكلٍ للتمرُّد واللَّامبالاة، آخُذُ من الرّاحة لعقلِي قسطًا قبل أن يأتي الليل فتحتلّ حلكة الذكريات مكانَها منّي ويتلاشَى سرابُ النَّعيم الذي أغدق عليّ يومَها بجميلِ تخديرٍ لواقِعِي.

ما كانت الذّكرى يومًا إلّا لتُذكر، غير أنّه لا عدلَ في حِيادِها لطرفٍ واحد، فطَرَفٌ يَذكُرُ ويُقهَر والآخر يَنسى ويَعبُر، ولو كان غير ذلك لما كان الوداعُ وما كانت بعدَها الذِّكرى المُرّة لتُذكَر، فالحاضِر كلَّ يوم بعد يومٍ أجمل والغائب كلَّ يوم بعد يومٍ لا يرحل، لكن لا شيء كذلك يَحصُل فالحاضِر بِحضورِ الذِّكريات أَمَرّ، والغائِب في محبوكَاتِها هو البطل، والعيشُ بين هذا وهذا جرعةٌ من صبر.

لا أعلم لِمَ أقول هذا، كلّ ما أعلم أن الذِّكرى المؤلمة لا تَتلاشى مِن النّفس بسهولة، كلٌّ يعيشُ وفي جوفِه آلاف ذكرى وذكرى حُفِرت، يتنعّمُ بأجملِها حينًا ويُكوَى بأسوئِها كثيرَا، وعديدٌ منهم بلَغت به مبلغَ انتحار كلُّ خطوةٍ نحوَه كانت قد أخذت منه سرحانَ فكر، وانفرادَ سهر وغصَّة كلامٍ لم تجد أذنًا تَستقبِل بعثرتَه، ولا قلبًا يحوِي الشَّهقاتِ بين عباراتِه ولا كفًّا حانيةً تُزيل التَّأتأةَ عن حرفِ نُطقِه، فانزوى وانعزل وانفردت به الذِّكرى، وشدَّ على قهرِهَا بحَسرة، أَوْدَت به بعد أيّامٍ من الخيبة أَودَ المُسَلسَلِين في غياهِب الكآبة المُرّة.

لماذا هذا الدّاءُ فينا يتفاقم، وإحصاءاتُه كلّ يوم وفي كلِّ قطر تتزايد، لأنّ الشّفقة باتت دون إِصغاء والإِصغاء بات دون تفهُّم والتفهّم بات دون حِراك، يكتفي المُصغي بالإِيماء برأسِه صعودًا ونزولَا، يمينا وشمالا، وإن تجاوزت به الرأفة ذلِك يردّد كلمات مواساةٍ "كل مرٍّ سيَمُر"، غير أنّ المحدِّث حَفِظ هاته العبارةَ عن ظهرِ قلب، وأَتقَن ترديدَها وقَلَّبَها بينَه وبين نفسِه مِرارًا ولكن لم تُجْدِه في محاولةِ نسيانِ منه أَملًا إضافيَّا.

تكاد الذِّكرى تكون ثالثَ الثّلاثة في مثلّثٍ للغياب والوحدة، كلٌّ له منه واحد، اثنان أو ثلاث.. تتنوّع الذّكريات وتزيد مثلّثات الخيبة ويَتصلَّب شعور الخذلان حول نفس من اتخذ منها منزلًا له، حياته بل موته، وإن كانت الحياة بها  أقرب منها إلى الموت، فهو قد أَسَر نفسَه في دوّامةِ الماضِي، وكأنّ حاضرَه حفرياتٌ لأحداثٍ وَلَّت وكأنّ مُذكَّراتِ فِكرِه لا تُجدِّد تاريخَها بتاريخ يومِه، فأصبح لا يَرى إلا ما قد مَضى، ولا يَعيش إلّا في ما قد انقضَى، يتناسى حاضره، ويغيبُ عنه أنّ الملموسَ موجودٌ فقط خارجَ قَوقَعتِه، وبإمكانه استخلاصُ أحاسيسَ جميلةٍ جديدةٍ منه تُرمِّم ما قد كسَره الماضي فيه.

ما إن تُسلِّم فيك تلك الرُّوح معلنةً للذّاكرة شعارَ التعوُّد والتسامح حتّى تجد أن كلّ ما كان يُداهم فيكَ استقرارَ نفسِك على حين هدوءٍ قد انفضّ منك في سكينةٍ وتراضٍ
ما إن تُسلِّم فيك تلك الرُّوح معلنةً للذّاكرة شعارَ التعوُّد والتسامح حتّى تجد أن كلّ ما كان يُداهم فيكَ استقرارَ نفسِك على حين هدوءٍ قد انفضّ منك في سكينةٍ وتراضٍ
 

العزلة، شرودُ الذّهن وسرحان الفكر، ما هي إلّا طرقٌ تتّخِذها الضّحيّة للانفراد وحدَها بألمِها، تجد في نفسِها راحةً من النّاس جميعَا، وما تنفكُّ تخاطِبُ الذِّكرى وتبادلُها أطرافَ الحديث والوجع، حتّى تتغلَّب على قدرةِ الشّخص في تجاوزِها، ما هي إلّا كمائنُ ينصُبها بنفسه لنفسه، ويظلِّل عليها بإخفاء دفائنِه، فلا يكُون إلّا كمن يُغطِّي على الشقِّ بصَفٍّ من غبار، وعلى النّدبة بهلهلِ إيزار فإذا ما أَتت ريحُ الذِّكرى واستعَرَت لها نارُ شوقٍ، انكشَف الجرحُ وزادَت غَورَه لضعفِ مناعةِ الصدِّ لديه.

يا صديق! ستمضي الأيّام عَسِرة ولكن ستطوِي فينا ذكرياتٍ كنا نحسَبها لشدّة تشبُّثِ أرواحِنا بأطيافِها – البالية في تماسكِها – لن تنطوي وستبقى تَؤُزُّ في ذاكرتنا حنينًا كلّما ظنَّت هاته الأخيرة أنّها تحرّرت وتُنبِّؤها في شوقٍ يسرِق منك النّظر إلى الأشياءِ والأشخاص ولربّما الأماكِن التِي حلَّت مَحلَّ سابقاتِها بأنّك ستظلُّ رهينةَ ما تركته فيك من أثرٍ استحوذ على حياتِك.

ولكن ما إن تُسلِّم فيك تلك الرُّوح معلنةً للذّاكرة _التي كانت تعتَبِرها يومًا عدوًّا للحظاتِ أفراحِها_ شعارَ التعوُّد والتسامح حتّى تجد أن كلّ ما كان يُداهم فيكَ استقرارَ نفسِك على حين هدوءٍ قد انفضّ منك في سكينةٍ وتراضٍ. وفي النّهاية تتحرَّر فيك روحُك، ولحظاتُ سعادتِك واستقرارِك، وتجدُ في ذكرياتِك تلك أُنسًا وحلاوةً لم يَعهَدها كيانُك من قبل، ولم يكن له أن يستشعِرَها فيها لولا التَّسلِيم واليقينُ الجازم بأنّ قنَّاصةَ هنائِك تلك لم تكن سوى وليدةِ وساوسِك وتصادمِ أفكارِك بأفكارِك التّي زادَت فيكَ وفيها وَهَنًا وضعفا ونخرَت في روحِك سُمَّ التَّحسُّرِ لِتَحملَك على العَيشِ في ماضِيك المُرِّ منه والمُؤلم.