صراع الهوية.. من هو "السوري الحقيقي" بعد انتهاء الحرب؟

لقد كُتب بهذه الأيام "بداية نهاية" أخر فصول الحرب في سوريا تمهيداً لمرحلة "سلامٍ ما" في منطقة شهدت اضطرابات منذ 7 سنين مضت. ففي محافظة لقبت بـ "أخر معقل للمعارضة" (إدلب)، استطاع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متشاوراً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين تجنيب 3 ملايين فرد من أهوال حرب كانت تدق طبولها على حدود تماسها. منهم من يقول أن الحرب انتهت وأن سوريا مقسمة ما بين فريق معارض وأخر يمثل السلطة بانتظار تشكيلة دستورية جديدة تمثل الجميع، ومنهم من يقول أن الحرب ستسمر بأوجه ولاعبين جدد مع غياب الدور الأميركي والأوروبي المباشر عن الساحة. ولكن يبقى السؤال الأهم: ما دور الشعب السوري في مستقبل سوريا؟ وماذا تعني سوريا الكيان للسوريين؟

ما زالت سوريا تحتفظ حتى اليوم برصيدها في كتب التاريخ، فعاصمتها دمشق هي أقدم العواصم الحضرية في العالم القديم. معاصرةً الحضارات التاريخية كلها، شكلت هذه البقعة الجغرافية نقطة عبور واتصال حضارات مختلفة، حتى أصبحت شعوب اليوم القاطنة فيها مزيجاً من أعراق متناقضة تحمل تسلسل تاريخي معقد ومتفاوت. قد لا يكون هذا التعقيد التاريخي متناقضاً مع واقع اليوم، اذ يعيش المجتمع السوري (في وطنه والمهجر) أزمة هوية حقيقية كرّسته بشكل جدي الحرب الأهلية الشبه منتهية من جهة، والانقسام العامودي ما بين من هو داعم للروس والايرانيين ومن هو داعم للأتراك من جهة أخرى. فما بين ايديولوجيات قومية وأخرى دينية، ما زالت "الهوية الوطنية" غامضة في عقل الباطن السوري -ما بعد الأزمة- وهي حالة استثنائية يعيشها هذا الكيان.

 

إذ عادةً ما يحرك الشعوب المهزومة والمتآكلة ويرسم ديناميتها هو "كل خطوة تؤدي إلى طرد الكيانات والدول المحتلة لها"، وقد نذكر أمثلة لا حصر لها كالولايات المتحدة فجر استقلالها عن البريطانيين في القرن الثامن عشر، وفرنسا في العهد النازي، وتركيا الأتاتوركية بعد الحرب العالمية الأولى واستقلالها عن كل من فرنسا، بريطانيا واليونان، وغيرها من الأمثلة. أما في سوريا، فالعكس هو الطاغي، اذ يبدو واضحاً أن الانقسام يدور حول "تشريع الوكلاء"، فيبدو أن الروس هو وكلاء جديين لدى طرف النظام أو السلطة، والأتراك من جانب أخر وكلاء قياديين وبارعين في تمثيل المعارضة السورية. إن ما يدعو للقلق أن أياً من المحاور السورية على الأرض غير قابلة لتعزيز مشروع ورؤيا سياسية تحقق استمراريتها في مستقبل (سوريا ما بعد الحرب)، إذ ما زالت الحركات السياسية مجرد أرقام تصب في رصيد صندوق هذا الطرف الدولي أو ذاك.

السيناريو يعيد نفسه مع كل الشعوب التي تختلف مع بعضها ثم تلتحق بشكل تدريجي بأحضان "دول اقوى" ضامنة لاستمراريتها

لا يمكن بعد ذلك الحديث عن دولة مستقبلية "ناجحة" دون التطرق إلى موضوع السيادة، ونعني هنا السيادة النفسية للشعوب وميلها لاستقلالها وإنتاجها الذاتي! إذ يعتبر لبنان نموذجا في هذا الإطار، فإنه وبعد خروجه من الحرب الأهلية أواخر القرن العشرين وهو يعيش أزمة هوية ولا استقلال وطني وسياسي، نعزي ذلك نتيجة رعاية "دول ضامنة" (المملكة السعودية وسوريا حافظ الأسد) لعملية دستورية (اتفاق الطائف) أخرجته من غيبوبة الحرب وانتقاله إلى فترة السلم وهو ما يشابه الحالة السورية.

 

إنه بالتأكيد نتيجة تجاذب الهويات الداخلية التي تحكمها التاريخ والجغرافيا والعرق.. فما بين "لبنان العربي" و"لبنان ذو وجه عربي" ضاعت السيادة الوطنية وأصبح الوطن تابع الإرادة وهش السيادة حينها. وكذلك الأمر بالنسبة لسوريا اليوم، فما بين "سوريا الممانعة" و"سوريا الديمقراطية" وقعت الحرب الأهلية وأصبح البلد "منقسم الانتماء"، والسيناريو يعيد نفسه مع كل الشعوب التي تختلف مع بعضها ثم تلتحق بشكل تدريجي بأحضان "دول اقوى" ضامنة لاستمراريتها.

الجميع يتحدث عن قرب انتهاء الأزمة السورية والانتقال إلى مرحلة "إعادة الإعمار"، ولكن ماذا عن هوية الكيان الجديد لمجتمع ما بعد الحرب؟ كيف يقتنع هؤلاء اللاجئين في الخارج للعودة لبناء أوطانهم المدمرة؟ هل ستصبح سوريا وطن نهائي لجميع أبنائه أم هي مجرد تجمع لعصبيات قبلية في جغرافيا واحدة كما هو النموذج اللبناني؟ هذه الأسئلة كفيلة بأن ترسم مستقبل سوريا لقرن من الزمن، وخاصة أنه بلد شغل دورا إقليميا لنصف قرن من السياسة (ابتداء من سبعينيات القرن الماضي)، فهل ينجح الوكلاء القيّمون أن يشيّدوا سوريا الجديدة؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة