حي بن يقظان.. رحلة البحث عن الله وأنفسنا

blogs تأمل

إن مقاربة موضوع الثنائيات المتضادّة والمتعاكسة بطريقة مختلفة، قد تبدو غير متوقعة ومفاجئة، عبر تكريس العبث (الأبسورد والنيليزم) قيمة عليا لا تعلو عليها قيمة، هي مقاربة قامت بها الكثير من المدارس الفكرية عبر العصور، وكانت مثار جدل كبير وسجال عنيف. ولستُ بصدد دحض العبث أو دعمه، لأن هذا يستلزم امتلاك أدوات فكرية لا أزعم أنني أمتلكها، ولكنني أخشى من هذه المقاربات العنيفة لعناوين كهذه التي لا مناص لنا من الانضواء تحت مسمياتها، من خير أو شرّ، وفضيلة أو رذيلة، وعدالة أو ظلم، وصلاح أو فساد، وحقّ أو باطل.

 

لا أعتقد أن الأمر هو أمر ثنائيات أو أمر فسطاطيْن أو ما شابه. إن النقطة الرئيسية هي في أن فكرنا يحتاج إلى تنظيم وإلى منهج معيّن، شئنا أم أبينا. وهذا لا علاقة له بقوّة خارجية تقرّر ما هو النفاق أو الطهر أو التقوى. إنه "حيّ بن يقظان" الكامن فينا والذي يرشدنا بقوة الحدس والبديهة إلى منطقة سامية من مناطق المدارك البشرية: الضمير (أو سمّه الأنا العليا إن شئتَ). وهو لا ريب أنه يخضع للمؤثّرات الاجتماعية والتاريخية والثقافية، ولكن لديه من الاستقلالية والاصالة والانبثاق الذاتي ما يجعله يصل إلى وجهته دون الحاجة إلى معالم في الدروب والمتاهات، ودون الافتقار إلى دليل في وحشة الطُّرُق.

 

وهذا "الضمير" اليقظ هو الذي يجعل ملحدًا كالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر يؤيد الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، في حين أن ضموره وخفوته هو الذي يجعل المؤمن عبد الرحمن السديس إمام الحرم المكي يقول إن أمريكا والسعودية تقودان العالم نحو السلام، ويداهن الحاكم حتى في غيّه وضلاله. الضمير أعلى من الفسطاطيْن، وأعمق من كل المصنفات والتخندقات والتحزّبات.

 

الإنسان كفرد لديه من الاستقلالية والقدرات الكامنة والمهارات الفكرية والحدسية ما يجعله يبلغ أسمى المراتب الفكرية والدينية والفلسفية دون الحاجة إلى رقابة وإرشاد البُنَى الاجتماعية والتربوية

وهذا الضمير هو الذي رفع "حي بن يقظان" ابن طُفَيْل وابن سينا إلى المحلّ الأسمى في عالم الفكر والوجدان. وحي بن يقظان هذا شخصية خيالية احتلّت مكانًا بارزًا في التراث العربي الإسلامي، وكانت ولا تزال نموذجًا لرفعة الفكر الإسلامي وشاهدًا على أصالة الحضارة العربية ورقيّ إبداعها. فهذا الإنسان الخيالي الذي خلقته عبقرية الفلاسفة المسلمين كان وسيلةً استُخْدِمَتْ لتقريب بعض المفاهيم والمبادئ إلى الأذهان.

 

لقد وجد حي بن يقظان الشابّ نفسه وحيدًا في جزيرةٍ من الجزر، لا يتواصل مع أي إنسان ولا يتلقّى أي تربية. ولكن هذه العزلة لم تَحُلْ دونه ودون الارتقاء في درجات المعرفة، وصولًا إلى القمّة التي تخوّل الإنسان أن يعرف الخالق عزّ وجلّ. وهو في هذه الرحلة العرفانية قد مرّ بمراحل وأطوار استطاع أن يجتازها بنجاح كلها، بقوة الحدس الذي سمح له بأن يدرك أسمى الحقائق الكونية، بلا مرشد أو معلّم أو مُلْهِم. إنه الفيلسوف المُعَلِّمُ نفسه الذي صمد عبر القرون وتُرْجِمَ من العربية إلى اللغات الأجنبية.  ورسالة هذه القصة الخيالية هي رسالة في غاية الوضوح والقوة: إن الإنسان كفرد لديه من الاستقلالية والقدرات الكامنة والمهارات الفكرية والحدسية ما يجعله يبلغ أسمى المراتب الفكرية والدينية والفلسفية دون الحاجة إلى رقابة وإرشاد البُنَى الاجتماعية والتربوية. إن الإنسان الفرد يستطيع أن يحقّق العجائب عندما يصغي إلى ذلك الكائن الحي الكامن في أعماقه: الضمير. 

 

ومما نستطيع أن نستنبطه أيضًا من حي بن يقظان أن الإنسان يستطيع أن يسمو بضميره وحدسه فوق كل الشرائع والمنظومات. ونستشفّ من هذا الأمر النظرة التفاؤلية والإيجابية التي عومل بها الإنسان بما هو إنسان. فهو مبتدأ الحق والخير والجمال ومنتهاه. وفي هذه المقاربة درجة عالية من التسامح مع كافة الشرائع والأديان. فالاعتراف بالمعرفة الحدسية التأملية كطريق إلى الحق هو، بشكل قاطع، اعتراف بأن الإنسان كفرد يستطيع الاستغناء عن الرسالات والشرائع، مما يعني أن إنسانية الإنسان هي أسمى وأعلى وأرفع من كل الرسالات والشرائع. ومما يعني أيضًا أن من يحوز على مَلَكَةِ "الضمير الحي اليقظ" من بني البشر يستطيع أن يفعل الخير ويجتنب الشرّ، وأن يكون رائعًا في تعامله معك، حتى ولو لم يلتزم بنفس معتقدك. في حين أن أخاك في المذهب والانتماء وممارسة الشعائر قد يجنح نحو الشرّ والأذى، وقد تكون أنت ضحية من ضحاياه. 

 

وما أحوجنا في هذا العصر التي تستعر فيه الأحقاد وتشتدّ الضغائن ويتكاثر التناحر بين المذاهب والأعراق والقوميات والطبقات، ما أحوجنا إلى أن ننظر إلى بعضنا البعض نظرة تتنزّه عن بغضاء العنصرية وتبتعد عن الغلٍّ الذي ينتجه التعصّب في الانتماء. وهذا ممكن عندما نصبغ انتماءاتنا كلها بصبغة "حي بن يقظان" الكونية الجامعة، التي ترى في الإنسان الخير إن هو نزع نحو الخير وتسامى بضميره الحيّ واليقظ فوق كل الشرائع والمذاهب. وليس لنا إلا أن نتعجّب كيف استطاع مفكّرو الإسلام في تلك العصور الغابرة أن يبصروا ما لا يبصره معظم فقهاؤه اليوم من المتعصّبين لمذاهبهم ومن المتزمّتين في الالتزام بشكليات لا تسمن ولا تغني من جوع على حساب جوهر الوجود البشري على هذه الفانية، لدرجة أن البعض منهم يجتهد في إقناع عامّة المسلمين بتحريم التهنئة بأعياد النصارى من إخوانهم في الوطن والقومية، على سبيل المثال لا الحصر. والأمثلة كثيرة على هذا المسلك المتشدّد في عصرنا هذا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة