شعار قسم مدونات

همسات عاطفية من أعماق الوجدان

مدونات - همسات عاطفية

لمّا يحن قلبك لشيء، فإنك تسعى جاهداً لبلوغه للتعبير عن حبك له لولوج عالمه، ولعل حديث الأرواح يقر بقانون جاذبية الشخص لأخيه والروح لروحها. فكذلك حديث الوجدان الذي قد يجعلك بسيطاً بعدما كنت عظيماً، وصغيراً بعدما كنت كبيراً، منقاداً ومستسلماً لوجدانك بعدما كنت مهيمناً بفكرك وجاهك. كل هذا يمكن لنا أن نسميه قانون الوجدان، الذي يشبه لحد كبير قانون العطالة، الذي يأبى فيه الساكن أن يصبح متحركاً، ويأبى فيه المتحرك أن يصير ساكناً.

كما هو حال الوجدان يأبى أن ينصهر في عالم وجداني متصنع أو موجه أو برغماتي، بل يقبل أن ينصهر في عالم وجداني حقيقي تتطابق فيه الهمسات العاطفية والرقائق القلبية مع بعضها البعض، لتشكل جسم واحد وكيان واحد معبراً عن قلب كبير يسع كل ما تحويه الحياة من جمال. لذا من الصعب أن نسمع عن تطابق وجداني برغماتي أو متصنع ناجح رغم كل المحفزات، لكن من السهل أن نسمع عن تطابق وجداني حي كانت اللحظة سيدة هذا التطابق رغم كل المطبات والصعاب. نعم إن عالم الوجدان يحتاج منا للمسات حية ومعبرة حتى لا نبدو سيئين عاطفياً ووجدانياً، كلما كانت اللحظة سانحة كلما احتاج الإنسان روحه العاطفية بعيداً عن انضباطه وحسه الاجتماعي وموقعه، فهذه المسائل هي مسائل فنية، كلما أحسنت زخرفتها كلما لقت حسن قبول محبها، وكلما ارتفعت ذبذبات حسك العاطفي كلما تعاظمت مردودية من يحبك ولقد عبر ابن الفارض قائلاً: كلما بدت ليلى فكل أعين وإذا نادتني فكل مسامع.

من يصنع من نفسه كياناً زاهداً وفاضلاً، لن ينفعه زهده ولا فضله، ومن يرى هذه الأشياء بمنظور ضيق فيجب عليه ألا يضيق واسعاً، فالأصل في الأشياء بكل ألوانها وأطيافها هو القصد والمعنى وليس اللفظ والمبنى.

إن هذا التعبير هو دلالة قطعية عن ضرورة وجود تلك الروح التي تمتاز بالفاعلية العاطفية والتي تعمدت أن أصفها هكذا، كون أن عالم الأشياء مرتبط ببعضه البعض كما هو حال عالم الأفكار وعالم الوجدان، ولأن سلامة أي منظومة يعني بالضرورة سلامة أعمدتها. كذلك لا يمكننا أن نرسم معاني الحب والوجدان والعاطفة دون الحديث عن تلك الفاعلية التي أشار إليها إبن الفارض كفاعلية عاطفية قلبية تتذوق فيها القلوب تلك الصفاوة والنقاوة، لتتباعد بذلك كل الأمراض التي تعدي القلوب وتقسي عليها فإن ما هاجها شر نست توأمها. إن أكثر الأفراد الفاشلين أسرياً هم بالضرورة من لم يحققوا معادلة التوافق القلبي والوجداني، من لم يحسنوا تقدير وزن المحبة والتعلق على كل جوانب الحياة. لأن للحياة ترمومتر روحي وعاطفي واجتماعي، وإهمال أي جانب من هذه الجوانب ستكون سقطة قاسمة تزعزع كيان الرابطة القلبية والوجدانية.

ولعل كذلك الكثير من عينات الناس، لا يجيدون تقمص أدوار عاطفية فيصيبهم الخجل بينما كان حري عليهم صناعة ذاتهم العاطفية بكل ما تحويه من همسات وأدب وجداني، يمكن أن يسميه البعض بالرومانسية أو الحس الوجداني. إن غياب هذه الثقافة بمعناها الإيجابي قد يصنع مع مرور الوقت حرماناً عاطفياً، وإن من أخطر الأمراض الاجتماعية الآن أكيد هو الحرمان بكل أنواعه، فمن لا يدرك معنى الأشياء في وقتها سيقع في فخها لاحقاً. ومن يصنع من نفسه كياناً زاهداً وفاضلاً، لن ينفعه زهده ولا فضله، ومن يرى هذه الأشياء بمنظور ضيق فيجب عليه ألا يضيق واسعاً، فالأصل في الأشياء بكل ألوانها وأطيافها هو القصد والمعنى وليس اللفظ والمبنى، وحس الوجدان هو من همساته اللفظية واللاشعورية التي تتجاوب فيما بينها دون عناء. إن ما نعيشه من تعبير عما يختلج في قلوبنا يجب أن نعبر عنه بأحاسيس وجدانية حية وفعالة. فما إن صنعنا نحن هذه الفاعلية حتماً ستكون المشاهد صادمة وعجيبة ومحفزة لولوج عوالم أخرى، لكن الغريب أن تمضي السنون وتكبر القلوب على أحقاد قديمة وضغائن تافهة ستكون قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، وسيكون سبب انفجارها بسيط، أنك لم تحسن فهم وتطبيق معاني قانون الوجدان فأخذت بمظهره وتركت روحه الفنية الحسية.