لا أعتقد أن قارئًا عربيًّا لم يتعاطف مع السجين "رجب" في رواية شرق المتوسط، بل كل منا أحس بالحسرة والضيق لمصير ذاك المناضل الثائر ضد النظام الفاسد، وكذلك لا شك أن كل مهتم بالرواية والأدب عموما سيكون قد اطلع على رواية "السجينة" لمليكة أوفقير، وتعاطف مع أسرتها والمصير الذي تعرضت له، مع العلم أنها تحكي أحداثا واقعية، وهذا يعطي هالة للحدث أكثر، ودون الابتعاد كثيرا وضمن أدب السجون أيضا هناك رواية شهيرة هي تازمامارت للمرزوقي، وروايات أخرى لرفاقه الذين كانوا ضحية سيئ الذكر تازمامارت، هناك أعمال أخرى كثيرة ربما تحكي جانبا من مأساة المساجين، لكن معظمها ربما يكون أقرب إلى مذكرات منه إلى رواية.
رواية شرق المتوسط طبعا تُعتبر رائدة في مجال أدب السجون، بل ومؤسسة لهذا المفهوم الأدبي الجديد، وليس هذا فقط بل هي رائدة و"مثوّرة" لمفهوم الرواية بشكل عام، لكن هذه الرواية تتناول جانبا خاصة من مصير السجناء وهم المدانون في قضايا سياسية، لذلك نتعرف على بطل الرواية فهو معارض سياسي، كما أن منيف لم يدخل السجن وبالتالي فتناوله لموضوع السجن مهما حاول وصفه للقارئ سيبقى تقريبي، لأنه مهما اطّلع على وثائق أو استمع لمساجين سابقين، لن يستطيع وصف السجن والحياة داخلة بدقة، لكن هناك رواية عظيمة نعم عظيمة، بل واعتبرت ثالث أفضل رواية في القرن العشرين، لكن لا أحد يتحدث عنها ربما، وأتحدث خاصة عن الشباب، تتناول قضية السجن ومع العلم أن صاحبها سبق وأن قضى خمس سنوات في السجن؟ ما قصة هاته الرواية؟
إن اسم مؤلف الرواية نادر التداول، بل وربما يقتصر تداول أعماله بين المثقفين من الجيل القديم، أصحاب النضال والشعور القومي العربي، وليس من ولدوا تحت سيادة النظام الجديد وأنا واحد منهم، إنه الكاتب والصحفي المصري صنع الله إبراهيم "يساري طبعا" لهذا ربما لم يرج اسمه، المناهض الشرس للإمبريالية العالمية، أما الرواية المتحدث عنها فهي رواية "شرف".
| في هذه الرواية نتعرف على المساجين في قضايا تحصل بشكل يومي في المجتمع، عكس شرق المتوسط، كما أن مرتكبوها قد يكونون من عامة الناس أو خاصتهم |
أشرف بطل الرواية أو شرف كما تناديه أمه، شاب من الطبقة الوسطى في المجتمع المصري يقطن حي المعادي، حاصل على الثانوية العامة، يقوده حظه السيىء لمرافقة أحد الأجانب "الخواجة" إلى السنيما ومن ثم إلى بيته، بعدها يحاول هذا الأجنبي اغتصاب الشاب، فيقاوم هذا الأخير ويدافع عن شرفه، غير أنه لم ينتبه إلا وفوران الدم يتدفق من رأس الخواجة، بعدها يجد الشاب نفسه في قسم المباحث بتهمة القتل، أعرف أن هذه فكرة ستبدوا لك ساذجة لكنها لعبة طريفة للولوج إلى التيمة الأساسية في النص إنه السجن.
تتألف الرواية من ثلاثة أقسام رئيسية:
القسم الأول: نتعرف فيه على حياة المساجين بوصف دقيق، تخال وكأن الكاتب كان يمسك بيده كامرا وليس قلما، في هذه الرواية نتعرف على المساجين في قضايا تحصل بشكل يومي في المجتمع، عكس شرق المتوسط، كما أن مرتكبوها قد يكونون من عامة الناس أو خاصتهم، من مثل السرقة، القتل، الاغتصاب، الاختطاف، الرشوة،.. وهناك طبعا من هو مسجون لسنين دون أن يعرف السبب، أو لفقت له تهم هو برئ منها.. إلخ.. إن الكاتب أكثر ذكاء مما نتصور، إنه لا يحكي حياة المساجين، بل يحكي واقعنا المأزوم، إن السجن في الرواية هو بمثابة المرآة التي تعكس حياة المجتمع، ففي السجن الذي أودع فيه شرف نتعرف على دناسة هذا المجتمع بعدما نخرته أمراض مختلفة، وطبعا في السجن مثل الواقع.. الطبقية.. الاستغلال.. الرشوة.. إلخ، ولهذا قال الكاتب إننا نعيش في سجن أكبر، يقصد الوطن العربي.
القسم الثاني: في هذا القسم نطلع من خلال قصاصات من جرائد يومية ومجلات ذات مواضيع مختلفة، على أوجه الفساد في النظام الرأسمالي، كان يحتفظ بهاته القصاصات أحد المساجين المسيحيين، يدعى رمزي كان صيدليا قبل أن يسجن في قضية رشوة ملفقة، في هاته الفقرة سنطلع على مقالات وفقرات من مختلف المجلات تصور جشع الرأسمالية، وتوضح قضايا الفساد لشركات متعددة، سواء في مجال التغذية، اللباس، وخاصة الأدوية، ستعتقد أن هذا مجرد ثرثرة من الكاتب لكنها في الحقيقة كلها صحيحة أي أن هذه الفقرة تأريخية للأحداث التي جرت في زمنها أحداث الرواية، وهاته من عادات الكاتب الحسنة، كما صرح أي أنه يحتفظ بقصاصات من مجلات وجرائد بعد ذلك يستعملها في أعماله.
في نفس القسم سنطلع على مذكرات السجين، والتي سنتعرف من خلالها أيضا على طفولته، دراسته، ومن ثم الشركات التي اشتغل فيها، والبلدان التي زارها، هنا سنكتشف عالما غريبا، من خلال توثيق الكاتب في مذكراته عن كثب جرائم الاستغلال التي يمارسها المجتمع الاستهلاكي في حق العالم الثالث، خاصة في مجال الأدوية، باعتبار أنه كان يشتغل في إحدى أهم الشركات العالمية التي تصنع الأدوية، هنا سنتعرف أكثر على مفهوم الاندماج، والاحتكار، وأضرار كل ذلك المجتمع، كما سنتعرف على جشع الرأسمالية، وطرق الاستغلال التي تمارسها على المجتمعات الفقيرة.. خاصة أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، كما نتعرف أيضا على سطوة الشركات المتعددة الجنسية ومدى تأثيرها على الأنظمة.

كما أن الكاتب يتعرض داخل العمل لمسرحية، قام بإعدادها السجين رمزي، داخل السجن، بطلب من مأمور السجن، وذلك احتفاء بذكرى أكتوبر، غير أن هاته المسرحية في الحقيقة هي وسيلة ليروي من خلالها الكاتب وجهة نظره عن التحول في المجتمع المصري ابتداء من الفترة الناصرية إلى زمن مبارك، كل ذلك يقدمه في قالب ساخر.
القسم الثالث والأخير: فيه نتعرف على الوجه الإنساني للمساجين، وتعاطفهم مع بعضهم، كما أنه لا يمل في كل حين أن يدخل شخصية جديدة ويعرفنا على المصير الذي قاده إلى السجن، هكذا نتابع الحياة اليومية للسجناء، ابتداء من الأكل، والنوم، الزيارات، دخول دورة المياه.. كل ذلك يصوره بشكل ساخر ودقيق.
بقي أن أشير إلى أن الكاتب في القسم الأول والأخير من الرواية، نجده ينوع بين تقنيتين سرديتين، تارة يوكل السرد لشرف، أو ما يعرف بالنظر من الداخل، عبر هذه التقنية يمكننا التعرف على نفسية السجين أكثر، وكذلك تفاعله مع باقي السجناء، كما أننا نعيش معه حياة الخوف والترقب، باعتبار أننا لا نعرف كل شيء أي ما سيحدث، بخلاف التقنية الثانية وهي تقنية النظر من الخارج، أي أن من يتولى السرد يعرف كل شيء، هذه ربما تمكننا من التعرف أكثر على أحوال السجن بشكل عام، أي كأننا نشاهد المساجين من كاميرا ثبتت بأحد أركان الزنزانة دون أن يراها أحد.
لا تعتقد أنني بهاته التفاصيل الكثيرة، لخصت لك كل ما ورد في العمل، العمل حافل بالكثير من القضايا التي تستحق الاطلاع عليها، مع هذا حاولت الاختصار قد الإمكان، العمل في 470 صفحة، عمل جد مميز ويستحق القراءة أكثر من مرة، إنه دفتر أحوال مصر كما قال أحد النقاد، بل وللدقة أكثر إنه دفتر أحوال العالم العربي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

