للكُتُبِ أعمَارٌ، بعضُها يُولَدُ طِفلًا ويَظلُ كذلك حتى يموت؛ إذ هي محدودة، ضيقة، لا تتقدم خُطوةً واحدة في عقول الناس، ولا تُقدم لهم جديدًا، كالطفل يستنفذك الجهد لا يزيدك؛ إذ تدفع فيها المال، ولا تنتفع منها بشيء، وحسب هذه الكُتب أن تخرج وتُدفن في الجيل ذاته، لا هي في السماء حلّقت فهبطت في أرض جيلٍ جديد، تنفعهم، وتزيدهم نورًا، ولا هي للجيل الذي ظهرت فيه كانت مضيئة، أو نافعة، وأخرى تتقدم في العمر سنة تلو سنة، حتى يُناهزها الكِبَر، وتضربها الشيخوخة ضرب الإعصار للمدينة، لكنّها ورُغم ذلك، تظل مُعمِرة، خالدة، مهما دبت فيها عوامل الزمن؛ إذ تسافر من عقلٍ إلى عقل، وتُثقل ثمنها نفعًا، ونورًا للعقلِ، تحلق في السماء، وتنتقل من جيلٍ إلى جيل، وكأنها طائر كلما قرأ أحدهم صفحة فيها، نمت ريشة جديدة، واشتد وثاق الجناح، فهدم بعزمه قوة الزمن، ومحى بقوته فعل الشيخوخة، وظل خالدًا.
مفتاح أعمال الأستاذ نجيب جميعها يكاد يتشابه، أو على الأغلب يمكن أن تفتح به أقفال أي رواية له؛ إذ هي الواقعية المُفرطة التي تتلمس فيها حقيقة ما نعيش بوضوح أكبر مما تهديك إليه بصيرتك، ليس ذلك عن مدح فيما كتب الأستاذ، ولكنه التوصيف الأقرب، وإن كان إسهابه ملحوظ، وتدقيقه للتفاصيل واضح، ولكن في النهاية فإن بناء العمل كله بين يديه وهو أكثر الناس رغبة في إحسان هذا البناء، ولنا أن نأخذ عليه ما نريد، ولنا أن نرد أيضًا، والفلسفة التي هي أساس أعماله جُلها، فما بين نظرة متأملة وأخرى ناقدة ثائرة، يدور قلمه، وما بين مزج لدروب الفلسفة المختلفة، وتفصيل لكلٍ منها يعلو ويهبط سن قلمه.
في هذه الرواية تحديدًا يُقدم لنا الأستاذ نجيب عملًا أدبيًا فريدًا تمتزج فيه السياسة بدروبها وألعابها بالتاريخ وماضيه ومستقبله، وكأنهما مطرقة يسلخ تحتها الإنسان عذابًا بعدما ذاق أسفلها السعادة والهناء، فيها يتصل الماضي بالحاضر، ويعلو صوت الذكريات، تتجلى الذاكرة سلطةً وتأبى طي الألآم في سجل النسيان، فيحارب الإنسان ذاته، ويضيع في غيابات محاولة النسيان الفاشلة، هنا يكشف الأستاذ عن محطات تاريخية هامة في حياة مصر وشعبها، لا تختلف كثيرًا عمّا نعيشه الآن.
| يضعنا الأستاذ نجيب تحت وطأة النوائب، ويرينا العجب في نفس الإنسان بفلسفته الأخاذة، وخياله البديع، ولغته القويمة، السلسة، التي لا تخلو من مرادفات جديدة، ذات واقعٍ على النفس حسن وجميل |
إن شخصيات الرواية نتاج الواقع الذي نعيش، وليس من الغريب أن تجد نفسك أو قريبًا لك فيها، بطل الرواية هو عيسى، الوفدي الذي وصل إلى مرتبة موظف درجة ثانية، وهو على علاقة بمسؤولين لهم كلمة قوية وحضور ثابت، هذا الموظف الذي تهوي به الأقدار أرضًا بعدما كان في أعلى السماء عقب إعلان الجيش في 23 من يوليو، كغيره من السياسيين المدنيين الذين أُطيح بهم خارج سياج الحياة قاطبة، بعدما مُهدت لغيرهم من العسكريين الذين صعدوا كنجومٍ لا تعرف للأرض شكلًا، ومثال ذلك حسن ابن عمه الذي نال مكانة وسلطة، ونفوذًا لا لشيء إلا لأنه من رجال الجيش العاملين به.
ما أشبه الليلة بالبارحة! قلنا فيما مضى من لا يُصدق كُتب التاريخ، فليعُد إلى الأدب العربي وليطالع مواده الواقعية، وسيعلم كم نحن غارقون، ومقيدون في شباك العسكر منذ زمنٍ بعيد، وأنّ اللعبة لا تتوقف على شخصٍ بعينه، هو نظام آخر، وإدارة غير الإدارة، قرون من الأطنان العسكرية الفاسدة تعشش في مؤسسات مصر وحكوماتها، ولا يمكن التغلُّب عليها إلا بالوعي الذي يعم أبناء الوطن كفيضان أو كبركان ثائر، فإنه كان ولازال الوعي المُكتسب من القراءة هو القوة التي لا يمكن أن يقف في وجهها المستبد، الذي يقتل ويسجن بسم الوطن، والوطن منهم براء.
تدور الأيام وتتزايد آلام عيسى وأحزانه، وبعدما رحب به أهل خطيبته أيم ترحيب، طردوه من بيتهم أنكر طرد، وهكذا ضاق الخناق عليه، فقد خسر وظيفته، وهو الذي سمع وعودًا كثيرة تؤكد ترشيحه وزيرًا قريبًا، فما أشد حسرته! وما أعنف القدر عندما يرفعنا سابع سماء، ثم يسحب البساط من تحت أقدامنا فنهبط سابع أرض، وهو الذي منّى نفسه بسلوى حبيبته التي رغب في السكن إليها، والاستناد على جاه والدها، لكن السفن جاءته بما لا يشتهي، فتخلت عنه وأهلها، بعدما أحيل إلى المعاش وزال جاهه، وانقطعت به أسباب الوجاهة والنفوذ، وابن عمه حسن، منافسه الأول، الذي نزل مكانته، فعلى عليه كلمة، وحضورًا.
يضعنا الأستاذ نجيب كما يضع عيسى تحت وطأة كل هذه النوائب، وغيرها، ويرينا العجب في نفس الإنسان بفلسفته الأخاذة، وخياله البديع، ولغته القويمة، السلسة، التي لا تخلو من مرادفات جديدة، ذات واقعٍ على النفس حسن وجميل، فتارة تجد عينك أمام حدث تاريخي كحريق القاهرة، أو العدوان على مصر، أو تأميم القناة، وأخرى تجد نفسك تنازع رغبة إنسانية ملحة مع بطل الرواية، فإما أن تغلبها وإما أن تقيدك، وتارة ثانية تسقط الكرة في ملعبك، ويضع أمامك الأستاذ رمزًا بعيدًا، ليس من السهل الاهتداء إلى قصده، إلا بعد طول نظر، وحسن ترتيب.
تظهر في الرواية شخصيات أخرى، لها دور ثقيل، منها أصدقاؤه الذين اختلف موقفهم من بيان الجيش، منهم من لم يقبله سرًا، لكنه هلل له علانية، ومنهم من اقتات على الأجواء التي تبعته، فكتب له نصرة وتمجيدًا، وهو يكن له كل الشر والكره، إلا واحد منهم ناله مثل ما نال عيسى حتى صار لنفسه أقرب، ومن عجبٍ هنا أن الأستاذ أظهر هذا الصديق مقبلًا على التصوف بداية ضيق أمره، وكيف قد هذبه التصوف، وثبت في نفسه من الرضى، والقُرب ما لم يكن ليثبت، وكيف أثر هذا على مسار حياته، وغير من قناعاته، وآرائه، وإن هذا لحق، فكثيرون من هم في الواقع مروا بمثل هذه التجارب، واحتضنهم التصوف، هنا أيضًا يتجلى سلطان الواقعية، الذي يجعلك تتقبل الصورة، وتقنع بها، وتؤيدها حقًا، ولا شك أن هذا يؤثر على ثقل الرواية.

إنّ الحبكةَ التي قامت عليها الرواية آيةٌ في البِناء، والتماسُك، بل وتمتد إلى أن تكون فريدة ومميزة على أعمال كثيرة، فالحوارات التي تكشف عمّا لا يُصرح به السرد علانية، والنقلات الموزونة بين ما هو سياسي وما هو فلسفي وما هو تاريخي وما هو واقعي في عملٍ أدبيٍ واحد، وتحريك وضبط كل هذا لخدمة ما يدور في خيال الأستاذ محفوظ، لتتجلى أمامنا الرواية كرسمة فنية لا يوجد منها اثنان، أمر بديع، يُطرب له العقل، وتستسيغه النفس مُتابعة، وتغرق العين في مطالعته استمتاعًا، أما السرد فكعادة الأستاذ، فهو مثقول لغة، وبلاغة وبيان، وقد ظهر في أسلوبٍ قويم، عماده الفصحى، والثقافة، والفلسفة والتاريخ.
حتى لا أحرق الرواية، هي أكثر من مجرد رواية قد تقرأها، وتطويها جانبًا في مكتبتك، هي درب صغير للمعرفة، فيه ألوان مختلفة متفرقة، تثير جميعها حالة عالية من الفهم والإدراك، هي مزيج لم يكن غير الأستاذ ليهتدي إليه، حتمًا ستجد نفسك في بعض سطورها، ستهاتفك بعض الكلمات منها ليلًا، ربما تعاود قراءتها أكثر من مرة، ستعلق في ذهنك جملًا كثيرة ولن تفارقه، إذ هي وليدة خيال الكاتب والواقع، ومحملة بالفلسفة العابرة للأزمان، وهذه الرواية من النوع الثاني المعمر الذي ذكرناه بداية المقال، منها ما يقول الأستاذ: "إننا نجرب الموت -ونحن لا ندري- مرات ومرات في أثناء حياتنا، قبل أن يدركنا الموت النهائي".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

