"الغرب ليسُوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء؛ هم فقط يدعمُون الفاشل حتى ينجح، ونحن نُحارب النّاجح حتى يفشل!"
– د. أحمد زويل
إنّ الدكتور زويل بمقولته هذه، يُرغمُنا على الوقوف والنّظر لكلّ جزءٍ منها بعُمق، وطرحِ العديد من التّساؤلات، ليس لأنّهُ العَالِم الحاصل على جائزة نوبل، وإنّما لكونه يتحدّثُ بناءً على تجربة حياتيّة عاشها بين مصر والدول الغربيّة. "نحنُ نُحارب النّاجح حتى يفشل"، عبارة أكثر قسوة من كل شفرات الذّبح، وهل هناك قسوة أكثر من محاربة النّاجح حتى يفشل؟ ولكن من يفعل ذلك؟ وكيف؟ ولم؟ لقد رحل الدكتور زويل وتركنَا عالقِين في هذه الأسئلة، دون أن يُحدّد لنا على وجه الدّقة من هم الذين يُحاربون النّاجح حتى يفشل.
الحقيقة التي لا غُبار عليها، أنّ وجود شخصٍ يهتمُّ بالطّفل في سنواته الأولى يبدو ظاهريًا مجرّدُ ترف، إلا أنه واقعيًا يقرر مصير هذا الكائن الحي الصّغير، ويخلقُ في مستقبله فرقًا. فقد يتميز طفل عن آخر بذكاءٍ يفوقُ أقرانه وقدرات تخرج عن المألوف ولا تنسجم دائمًا مع قوانين المجتمع؛ لذا كانت الرّعاية والاهتمام بالطّفل منذُ البداية أمرٌ لابدّ منهُ، وعندما أقول الرّعاية فإنّي لا أعني بها الرّقابة الصارمة والتقييد والسيطرة والإخضاع، وإنّما إعطاء الفرصة للطّفل بأن يُظهر مواهبه بكلّ عفويّة، دون كبتٍ أو تسلّط، أن يكتشف العالم بطريقته الخاصّة، بعيدًا عن تقاليد المُجتمع وتفكيرنا الجاف.
عادةً الأطفال المبدعون لا يتقبّلون ما هو مقبول أوتوماتيكيًّا، وإنّما يُبدون استعدادهم لاختبار الأفكار الجديدة ووضع احتمالات مغايرة للاحتمالات السّابقة، كما تراهم يسعون على الدّوام للبحث عن الأشياء الغريبة، وهم يختلفون عن هؤلاء الذين يتمتعون بثراءٍ معلوماتيّ كبير أو أولئك القادرين على حفظ العديد من الحقائق والنظريات، إذ عادة ما يسعى الطفل المبدع الى إضافة بُعدٍ جديد للمعلومة التي بين يديه، مطورًا نظرة أو فكرة إلى أخرى جديدة تمامًا، وغالبًا ما يكون القلق من ردود فعل الآخرين كالآباء والأقران والمدرسين والخوف من آرائهم السلبيّة، سببٌ لتوقّف استعداد الطفل لطرح آرائه الخارجة عن المألوف على غيره، ممّا يجعله يجدُ صعوبة بالغة في إطلاق العنان لدوافعه الإبداعية. فالإبداع في حقيقته هو قدرةٌ تنشأ من الدّاخل، لا الخارج، غير أنّ العديد من الآباء يجدون في إرخاء العنان لأولادهم نوعًا من التحدّي، الأمر الذي يقلل أو يضعف من دورهم التوجيهي والإرشادي.
| مجتمعاتِنا لا تخلو من هذا النوع من الأطفال المبدعين الذين يتمتعون بنموّ مبكّر لقدراتهم العقليّة، لكنّهم للأسف وُجدوا في بيئة تجهل كيفية التعامل معهم |
الأكيد؛ أنّ هُناك العديد من المظاهر والمعايير التي إن حدث وظهرت على أيّ طفل فإنه يصنّف ضمن حالات النبوغ الفكري، ممّا يستدعي الاهتمام به من طرف الأولياء والمعلمين والوسط الاجتماعي والتربوي، ويستوجب إخضاعه إلى متابعة بيداغوجيّة خاصّة تتلاءم مع نموّه العقلي المبكّر، هذه المعايير قد تتمثل في: النمو السّريع للعقل، حدسٌ غير طبيعي، فهمٌ سريع، إحساسٌ عال، فضول، إبداع، شدة انتباه، روح الدعابة، ذاكرة سريعة، وكذا يتمتعون بموسوعة لغويّة مُشبّعة بالمفردات والمصطلحات.
وممّا لا شك فيه أنّ مجتمعاتِنا لا تخلو من هذا النوع من الأطفال الذين يتمتعون بنموّ مبكّر لقدراتهم العقليّة، لكنّهم للأسف وُجدوا في بيئة تجهل كيفية التعامل معهم، إلى درجة أن طفلاً كهؤلاء بدلاً من أن يكون مشروعًا عبقريًا، يجد نفسه حالةً شاذّة وسط المدرسة التي تعاقبه على ذكائه وإبداعه، على ابتكاره لطُرقٍ جديدة في الفهم وحل المسائل، وعندما يصل هؤلاء الأطفال إلى سنّ مُعيّنة، يدخل كثير منهُم في حالة انتكاسة كبيرة في مستوى الذكاء، والسبب عدم اهتمام الأسرة بتنمية قدراتهم، وتجاهل المدارس لتنمية مهاراتهم بفرض أساليب تعليمٍ تقليديّة، وتغافل المدرسين عن دعمهم وتشجيعهم.
فالرّائج أو البديهيّ، هو أن الجهات المسؤولة لا تهتم سوى بالمتفوقين، والذين يُحافظون على نجاحهم، أما من يفشل منهم بعد نجاحه، فلا يجد من يسانده أو يدعمه، أو يساعده للخروج من كبوته، كما أن هناك تلاميذ وطلابًا مبدعين ومخترعين وحتى الآن لم يجدوا من يمد لهم يد العون. في حين نرى الكثير من الدّول الغربيّة قد صبّت جهودها واهتماماتها على رعاية ودعم كل الأفكار الإبداعية والاختراعات التي يتوصّل إليها طلاب وتلاميذ المدارس، وتساعدهم في المشاركة بالمسابقات العلمية والمعارض الدولية، حتى تخرج اختراعات هؤلاء العباقرة الصغار للنور.
وعلى الرغم من وعينَا بهذا الموضوع اليوم مقارنة بالسنوات الماضية، إلاّ أن العديد من المعلمين والآباء والأمهات لا يزالون يعتقدون بأن تسريع العمليّة التعليميّة والاهتمام بتنمية ذكاء أطفالهم يؤثر عليهم سلبًا؛ وأنه سوف يضر بهم اجتماعيًا، وسيحرمهم من طفولتهم، أو أنه سيخلق فجوات معرفية، لكن الواقع أن تسارع العمليّة التعليميّة -دون تفريط-يفيد الغالبيّة العُظمى من الأطفال الموهوبين اجتماعيًا، وعاطفيًا، أكاديميًا، ومهنيًا.

واجبُنا أن نشجّع التنمية العقلية بطريقة يدرك بها الأطفال أن العقول والمواهب ما هما سوى نقطة انطلاق، وأنه يمكن تطوير تلك القدرات بالعمل الجاد والمخاطرات الفكرية المستمرة، ثمّ إنّ العبقرية لا ترتبط بالضرورة بالناحية المدرسية؛ إذ يمكن للطفل أن يُظهر هذه الصفة في الموسيقى أو الرياضة أو الكتابة وغيرها من المجالات، فهي حياةُ كدحٍ وانكباب على ميولاتِنا، يُديمُ الشّغفُ جُذوتها.
أطفالُنا أمانة؛ نحنُ من نضعُ خطواتهم الأولى في الحياة، سواءً أقررنا بذلك أم لم نفعل، وإيمانُنا بهم وحدهُ لا يكفي، بل توفير الظّروف المناسبة، والدّعم والتشجيع المستمر، فللبيئة بمُحتوها الزماني والمكاني تأثيرٌ كبيرٌ جدًّا على غمط حقّ الأطفال، وكبت رغبتهم في البحث والتعلّم والإبداع إلى أضيق أفق، بل ربّما تصل إلى التّحقير من شأنهم، والسخرية منهم، والعبث بهم، لماذا؟ لأنّهم مجرّد "أطفال"، يا لتفكيرنا البائس! فتُسدُّ مسارب نبوغهم وألمعيتهم لهذا السّبب، فيتغافل عنهم آباؤهم، ويتناسونهم منشغلين بشؤونهم وأحوالهم، فكم تضيعُ عقولٌ بسبب معضلة ضيق الأفق العائلي وعدم دراية معظم الآباء والأمهات بالمواهب العُظمى التي قد يتوفر عليها بعض أبنائهم وبناتهم، أو لجمود أساليب التعليم وطرق التقييم الأكاديمي، وانعدام مرونتها بما يتيح للأطفال تنمية قدراتهم العقليّة وتجاوز الكثير من العوائق المؤسساتية.
وهُنا أجدُني عالقة في سؤال: ما حال عباقرتنا الصّغار الذي امتلكوا إمكانيات متفرّدة واختزنوها في دواخلهم، أولئك الذين لم تسنح لهم فرصة مناسبة للتعبير عنها في إنجازاتٍ محدّدة، ولم يُعرهم آباؤهم الاهتمام والرّعاية اللازمة؟ المؤكد أنها دُفنت مع آمالهم المتهاوية. فلم يكُن أمامهم إلا أن يظلوا في ذلك الإطار الذي رُسم لهم، ويكبتوا في داخلهم رغبتهم المُلحّة في الاكتشاف والتّعلم خارج القفص المُجتمعي الذي وُلدوا فيه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

