شعار قسم مدونات

تجربة البرازيل الاقتصادية.. هل يُمكن إسقاطها على اقتصادنا العربي؟

blogs لولا دا سيلفا

تأمل طويل هُناك، هُناك اتجاه إصبعي على مد البصر، حيث صُخور تنطلق من قاع الأرض بأعلامٍ مألوفة مُعلنةً عن قفزة اقتصادية لدول لم نَكُ نتصور وجودًا لها في السياسة أو بالاقتصاد. في فترة غيابي عن عالم التدوينات والكتابة ومحاولة التمعن في اهتزاز "لمبة" الغُرفة والبحث عن جواب لِسؤالي الذي ينهش عَقلي "يا ترى كيف يُطاوع الشخص نفسه في خيانة وطنه وسرقة مقدراته؟" هل يهون عليه تُراب الوطن بهذه الصورة والسهولة؟، في غالب اللحظات أشعر بالإحراج إذا أخذت "أكُسجينًا" زائدًا عن حاجتي عن طريق شهقة تتبعها زفرة، أو في حال قطفي لِوردة أعجبني لونها في حديقة عامة فإنني أُحاول أخذ موافقة كُل روّاد الحديقة وُمن ثم دفع مبلغ مالي بقيمة الوردة يذهب إلى أحد صناديق الدولة حتى لا أحسب نفسي مُحتالًا على الوطن.

على آية حال إنه أمر مُحزن فِعلًا استغلال مقدرات الوطن بِصورة غير شرعيّة ولا يقبلها أي مواطن حُر شريف يخاف على وطنه، وإن من يُعاقب هؤلاء إلى جانب القضاء هو تُراب الوطن حيث أنهم وبكل يَقين لن يشعروا بحرارة هذا التراب ولن يجدوا إلا البرودة عند وفاتهم. إن تراجع اقتصاد أي دولة وضعفها يَكمن في مطاوعة أشخاص لأنفسهم في نهش مُقدرات أوطانهم ليحققوا عُلوًا على حساب الوطن مُتناسين عِبارة "نموت ونموت ويَحيا الوطن" لهذا لا بد من إسقاط الضوء وليس أي ضوء إنما ضوء الجِد والعمل والقفزة الاقتصادية فعلى سبيل الذكر والغِبطة نَجد أمامنا دولة بحجم البرازيل تِلك الدولة التي يتمنى فيها الأب لأبنه بأن يُصبح لاعب كرة قدم على أن يكون طبيبًا لكن هذا كُله قبل أن يأتِ "لولا دا سيلفا".

 

وعلى الرغم من خسارة دا سيلفا الانتخابات ثلاث مرات متتالية والذي عزّا سبب خسارته بقوله: "لقد خسرت ثلاث مرات بسبب عدم إيمان الفقراء بي" وبعد وصول ديون البرازيل إلى 90 بالمئة، ورفض البنك الدولي إعطاء البرازيل أي سُلفة، بدأ مشروع دا سيلفا بعد استلامه رئاسة الدولة حيث ألغى كُل النفقات اللازمة ويمكن الاستغناء عنها وغير اللازمة، ووضع برنامج تقشفي يتمثل في إزالة الدعم عن السلع المطلوبة للأسر الفقيرة والتي تُقدر بنسب 40 بالمئة، وإعطاء دخل شهري لهذه الأسر بمقدار 730 دولار، ورفع مقدار الضرائب على جميع الأطياف عدا الـ40 بالمئة.

 

كُل النقلات في الفترة ما بين عام 2002 إلى عام 2011 لم تكن لِتحدث لولا إيمان البرازيليين بإمكانية لولا دا سيلفا على التغيير إضافةً لقدومه من أحياء البرازيلية ومعرفته بحال الفقراء
كُل النقلات في الفترة ما بين عام 2002 إلى عام 2011 لم تكن لِتحدث لولا إيمان البرازيليين بإمكانية لولا دا سيلفا على التغيير إضافةً لقدومه من أحياء البرازيلية ومعرفته بحال الفقراء
 

الجدير ذكره عن سعادة باقي الطبقات في دفع الضرائب لإيمانهم وإحساسهم بجدّية دا سيلفا، حيث أنه سهّل إجراءات الاقتراض من البنوك بتقليل نسبة الفوائد حتي تُسهّل وتزيد من فرص نجاح المشاريع الاقتصادية، أمّا على القطاع الزراعي فأزال جميع العوائق أمام المزارع والمتمثلة في كمية الضرائب على النقل والتوزيع والمواد الأوليّة، فبعدما كان المزارع يُلقي حصاده ويضطر إلى بيع أرضه احيانًا بسبب ضعف الربح، وبعد سلسلة الخطوات هذه بدأت نتائج قرارات دا سيلفا فتمثلت في عودة 2 مليون مُهاجر برازيلي، ودخول المستثمرين الأجانب إلى السوق البرازيلي وضخ أموالهم في اقتصاد البرازيل وحصلت البرازيل بعد أول خمس سنوات على 200 مليار عوائد من الاستثمارات الأجنبية.

 

الأمر الذي جعل دا سيلفا يلتفت إلى قطاع السياحة والبحث عن موارد غير متوافرة إلا في البرازيل كالكرة والسامبا وعلى هذا الأساس فقد استضافت البرازيل كأس العالم عام 2014 وتمكنت من الفوز بالاستضافة أمام الولايات المتحدة الأمريكية التي تُعد من أضخم الاقتصادات في العالم، كُل هذه النقلات في الفترة ما بين عام 2002 إلى عام 2011 والتي لم تكن لِتحدث لولا إيمان البرازيليين بإمكانية لولا "دا سيلفا" على التغيير إضافةً لقدومه من أحياء البرازيلية ومعرفته بحال الفقراء.

على آية حال ومن باب الذكر ليس إلا، اليوم البرازيل في المرتبة الثامنة اقتصاديا وهي من الدول المُصنّعة للطائرات والسيارات، وبعد رفض البنك الدولي إقراضها قبل أعوام فإن البنك الدولي مديون اليوم للبرازيل بعشر مليار دولار، وبعد مطالبات البرازيليين لـ "لولا" بالترشح مرة ثالثة ورفضه لأنه كان يُحارب الرؤساء الذين فعلوا هكذا، إلا أن "لولا" يواجه اليوم قضايا يُقال أنها لُفقت له بتهم استغلال السلطة والفساد، نَحلم باقتصاد قوي يُزيل من عقولنا فكرة الهجرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.