التجنيد الإجباري.. عندما تلجأ الدولة لإجبارنا على حب الوطن!

blogs جنود مغاربة

لقد عاد التجنيد الإجباري إلى المغرب، بعد غياب دام قرابة إحدى عشر سنة، وهذه العودة تحمل من الأسباب ما يكفي لذلك، فبعد أن صادق المجلس الوزاري تحت رئاسة محمد السادس خلال اجتماعه المنعقد يوم 20 أغسطس 2018 بالرباط على مشروع قانون رقم 44.18 يتعلق بالخدمة العسكرية، ويشمل هذا القانون الشباب ابتداء من 19 لغاية 25 سنة لمدة 12 شهرا. جاء هذا القانون بهدف إذكاء روح الوطنية لدى الشباب، بالإضافة إلى منحهم فرص الاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية.

 

هكذا إذن عاد هذا القانون بعد أن تم إلغاؤه سنة 2007، ولعل عودته الآن تحمل بين طياتها عدة أمور لم تتضح بعد، ولكن يبقى سببه الأساسي هو تشجيع الشباب على التشبث بوطنيتهم، وهذا السبب كان سببه هو ارتفاع نسبة الوعي لدى الشباب، وامتلاكهم لنظرة نقدية تجاه وطنهم، تجعلهم لا يفتخرون به، وفي نفس الوقت مستعدون لتركه لو أتيحت أمامهم هذه الفرصة، في هذا السياق جاء هذا القانون لإعادة المياه إلى مجاريها، ومن أجل إذكاء روح الوطنية لدى هؤلاء الشباب، ثم تشجيعهم على الاعتزاز بالوطن، ومن ثم محاربة البطالة التي تتضاعف بشكل كبير، عن طريق منحهم فرص الاندماج في سوق الشغل والمجتمع.

 

خلال الفترة التي صدر فيها هذا القانون، انطلقت عبر الفايسبوك حملات تدعو إلى رفض التجنيد الاجباري، وعنونت ذلك بهشتاغ: لا للتجنيد الإجباري، باعتبار أن ذلك ليس حلا مناسبا لإذكاء روح الوطنية لدى الشباب، وأن هذا الإجبار لم يعد صالحا في ظل الظروف التي وصلت إليها المجتمعات، وقد لقي هذا الهاشتاغ تفاعلا كبيرا بين أوساط الكثير من المغاربة، يعبرون فيه عن رفضهم لهذا القانون، ومطالبتهم بحلول أخرى يمكن أن تفي بالهدف من هذا القانون.

 

الحل الذي يمكن أن يجعل الشباب جنودا لوطنهم، والذي يمكن أن يدفعهم إلى التضحية من أجله، والاعتزاز بالانتماء إليه هو أن يجدوا حياة كريمة فيه، وأن تتوفر لهم جميع الشروط لممارسة حياة مناسبة
إعلان

يبدو أن تفعيل هذا القانون سيطرح عدة إشكالات عندما سيتعلق الأمر بإجبار الشباب على الخوض في هذا التجنيد الإجباري، لأنه ليس من الحكمة أن تصل الأمور إلى حد الإجبار، ومهما كانت النتائج الإيجابية التي ستترتب عن هذا القانون إلا أنه سيتضمن في عمقه جانبا سلبيا على المستوى النفسي لهؤلاء الشباب، خصوصا وأنهم اعتادوا الحياة في ظل أجواء مختلفة جذريا عن تلك التي يمكن أن تكون في الأماكن التي سيخوضون فيها التجنيد الإجباري، ومن ثم بات واضحا أن قبولهم لهذا التجنيد لن يكون سهلا، وعلى هذا الأساس سيكون إجباريا، ومن خلال ذلك سيجد هؤلاء الشباب أنفسهم مجبرين على الذهاب للتجنيد الإجباري، لأن رفض هذا القانون الوطني ستكون له عواقب قانونية عليهم، وبالتالي لا محيد لهم عن الاستجابة لهذا القانون.

 

لقد بدأ وعي الشباب ينفتح شيئا فشيئا، فلم يعد حب الوطن يشغل بالهم بتاتا، بل إنهم مستعدون لبيع وطنهم بأقل ثمن، ومستعدون لتركه لو سمحت لهم الظروف بذلك، ذلك أنهم لم يجدوا ضالتهم فيه، كما أن ظروفهم وأوضاعهم لا تسير كما ينبغي، ولا تسير بالشكل الذي يمكن أن ينال رضاهم، ربما من هذا المنطلق انطلقت الدولة لتعيد قانون التجنيد الإجباري إلى الواجهة، عله يعيد دماء الوطنية في روح هؤلاء الشباب، ولعله يحيي حب الوطن الذي مات داخل نفوسهم، لقد مات لأنهم لم يجدوا حياة تناسبهم في وطنهم.

 

لعل الدولة المغربية اختارت الطريق الأصعب لإذكاء روح الوطنية في نفوس الشباب، لأن الإجبار على الشيء قد يؤدي إلى نقيضه، وهذه نتيجة قد تبدو مرتقبة في ظل الأوضاع والظروف التي يعيش فيها المغرب، وكان حريا أن تختار الدولة الطريق السهل إلى قلوب المغاربة، وذلك عن طريق منحهم حياة كريمة تغنيهم عن تلك الحياة التي يحلمون بها في المهجر، وذلك بواسطة منحهم حقوقهم كاملة، وتوفير شروط مناسبة للعيش، ومحاولة تشجيعهم بكل الممكنات لحب البقاء والافتخار والاعتزاز بالوطن.

 

إن الحل الذي يمكن أن يجعل الشباب جنودا لوطنهم، والذي يمكن أن يدفعهم إلى التضحية من أجله، والاعتزاز بالانتماء إليه هو أن يجدوا حياة كريمة فيه، وأن تتوفر لهم جميع الشروط لممارسة حياة مناسبة، وأن يتمتعوا بكامل حقوقهم، لكي يستشعروا وجودهم في وطنهم، ومن شأن ذلك أن يرسخ فيهم روح الوطنية دون الحاجة إلى التجنيد الإجباري، لأن هذا الأخير في ظل هذه الظروف لن يؤدي إلى ذلك الهدف المرجو منه.

 

لعل الزاوية التي سيكون من خلالها هذا التجنيد الإجباري إيجابيا هي الزاوية التي سيشمل فيها أولئك الشباب الذين يشكلون خطرا على المجتمع، أولئك الذين يمارسون جرائمهم بكل حرية، ويسرقون ويعترضون المارة، أولئك الذين لا ينفعون بقدر ما يضرون هذا المجتمع، ومن هذه الزاوية سيكون هذا القانون مناسبا ويمكن أن يعطي نتائج إيجابية من خلال تجنيد هذه الفئة وتأهيلها ثم دمجها في الحياة المهنية والاجتماعية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان