تابعت – شأني شأن كثير من المتابعين – مجريات التذبذب سريع الإيقاع الذي عاشته العملة التركية الليرة في مواجهة الدولار في الآونة الأخيرة، وكنت قد شاركت في عدد من اللقاءات الإعلامية في أكثر من مؤسسة إعلامية حول هذا الموضوع -من بعيد- وما بين أخذ ورد، وسجالات بين المحللين والاقتصاديين والإعلاميين رشحت مجموعة من الظواهر لا بد من التوقف عندها بشكل عقلاني بعيد عن العاطفة تصويباً للأمور.
برأيي من المهم البدء بالعامل الأهم في هذه المعادلة، وهو الموقف الإعلامي حول المؤامرات الخارجية ونسيان الأزمات الداخلية الفعلية، فتركيا تعاني بالفعل من عدة أزمات داخلية أدت إلى انتشار القطط السمان فيها والمرابين وأصحاب المصالح الفردية التي تفتك بالاستقرار المجتمعي، وهم جهات فاعلة ومؤثرة سلباً على الاقتصاد التركي، وتدعوا "نخب المنتفعين" دائماً لميلاد اقتصاد قائم على الربا والفوائد ورفع أسعار الفائدة المستمر على حساب تأسيس اقتصاد تركي قوي ومستقر ومنوع، فبأي حق يتم تناسيهم في مرحلة الصراع الاقتصادي؟
وفي السياق ذاته أين هو الدور المركزي الذي يمكن لرجال الأعمال الأتراك أن يلعبوه، ففي تركيا المئات من مجاميع رجال الأعمال بعضها تركي خالص، وبعضها تركي عربي، وآخر تركي أوروبي، وغيرها ما يتصل ببقاع جغرافية متعددة، وهي مجاميع هامة ومؤثرة وبإمكانها إحداث تأثير إعلامي واقتصادي كبير في الداخل التركي وأرسال الرسائل الداخلية والخارجية التي تعبر عن التحام رجال الأعمال بعملتهم ودولتهم لدرء أي مخاطرة فعلية قائمة أو قادمة.
الموقف الآخر الذي استوقفني في سياق الأزمة هو الأسلوب والتعامل مع المستثمرين العرب في تركيا، فلم نر منهجية واضحة للتعامل معهم، أو صياغة لآليات تفعيل دورهم في تعزيز حضورهم لرفد الاقتصاد التركي، ولا حتى وعودات حقيقية بالتعامل مع ملفاتهم الاقتصادية الشائكة، فكثير من المستثمرين العرب ينتظرون من الدولة التركية أن تكون أكثر قدرة على فهم مشكلاتهم داخل تركيا في دوائر التجارة والعقار والطابو وكاتب العدل والعلاقات بينهم وبين رجال الأعمال الأتراك، وكثير منهم لديهم قضايا كبيرة في المحاكم التركية بسبب خلل كبير في التواصل والتفاعل الإيجابي بينهم وبين الدولة التي كثرت فيها بكل أسف الجوانب المصلحية على هم مصلحة الوطن والتعاطي معها حتى من أقرب المقربين من أردوغان نفسه.
| تفتقد الساحة الإعلامية والعربية لخبراء اقتصاد فعليين وإعلاميين اقتصاديين مؤهلين للتعاطي مع هذه الأمور باحترافية وفاعلية وموضوعية |
أما بخصوص الموقف من المواطن البسيط وتحويل عملته لليرة التركية برغم ضعف وضعه المادي، فهي خطوات لا تجدي على المستوى الاقتصادي شيئاً ملموساً؛ ولكنها في المستوى الإعلامي لها انعكاسات سلبية على الداخل التركي والخارج المتربص بتركيا كذلك، فمثل هذه الخطوات لو كانت للاستهلاك الإعلامي البسيط؛ وإحداث دلالات فردية على حجم تماسك المجتمع التركي مع حكومته لكان لها الأثر المطلوب، أما أن يتم التوجيه لها كسياسة حكومية فهي إشارة ضعف في الأداء السياسي لا سيما إذا تكرر الطلب وعلى أعلى المستويات، مع التنبيه إلى أن حل المشكلات الاقتصادية الكبرى مسؤولية الحكومة وليست الفرد البسيط الذي لا يتعدى راتبه بضع عشرات من الدولارات المعلومة.
ملاحظة أخرى استوقفتني بصدق، وهي التعويل على الخطابات التاريخية أكثر من الإجراءات العملية الذي رافق الاهتزازات في سعر صرف الليرة التركي أمام الدولار، فالمستوى السياسي كانت له رسائل مقصودة لخطاب الداخل التركي ولا ريب، ولكنه ليس خطاب مواجهة اقتصادية محمومة، وكان الأجدى – برأيي البسيط – أن يستأنس به مع طرح خطط ومشروعات اقتصادية وخطابات أكثر جدية بعيدة عن العموميات والأمل غير المصحوب بالشواهد.
الدعم العربي الشعبي والرسمي لتركيا في أزمتها، وحركة تحويل الأموال والعملات لليرة التركية، والدعم الإعلامي عبر الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي كان مشهوداً وغير مسبوق بالفعل، وقد التفت إليه الإعلام التركي بصورة كبيرة وكانت له دلالات كبيرة على الشارع التركي، ولكن كان لا بد من الضرب على هذا الوتر إعلامياً بصورة أكثر عمقاً من خلال ضرب شواهد مدروسة، ومن بقاع مختلفة، لتدلل على صلابة الموقف التركي ومحبة الشعوب في العالم لتركيا، والمجال هنا كبير ومتعدد الأوجه، ولكن التقصير اعتراه بصورة حقيقية وترك للارتجال الواضح.
الأمر الأخير الذي رغبت بالتعريج عليه في هذه الفرصة السانحة، هو تعاطي الإعلاميين العرب مع الحدث الاقتصادي في تركيا، والتذبذب والاهتزاز في سعر الصرف خلال فترة ليست بالهينة، فقد كان الأداء العاطفي كبيراً، ما بين محب ومبغض، وتم استدعاء كل من هو متخصص وغير متخصص للحديث في هذا الشأن، ولمس القاصي والداني ظهور نقص الخبرة والثقافة والتخصصية في الشأن الاقتصادي التركي، حتى كنت شخصياً – وأنا غير متخصص في الإعلام الاقتصادي ولا الشأن الاقتصادي- مدعواً للمشاركة في عشرات المؤسسات الإعلامية للحديث عن هذا الأمر، ومع أني اعتذرت عن ذلك، إلا أن المشهد استمر بالسوء من خلال افتقاد الساحة الإعلامية والعربية لخبراء اقتصاد فعليين وإعلاميين اقتصاديين مؤهلين للتعاطي مع هذه الأمور باحترافية وفاعلية وموضوعية، وهي صرخة أوجهها لمجاميع العمل الإعلامي العربي بالتنبه للتخصصية وصناعة المتخصصين تجنباً للهوى والترف الفكري والتسابق غير المدروس على التحليل والتقييم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

