كيف تُبنى الأفكار في مرحلة الطفولة؟

blogs الأطفال

"طفولة كل منا هي المرحلة التي نحدد فيها الكثير من خياراتنا لاحقاً.. الكثير من نقاط قوتنا وضعفنا توجد في داخل السنوات الأولى من حياتنا.. كما لو أن هذه المرحلة هي مخزن كبير نأخذ فيه أشياء محددة ونمضي بها في سائر حياتنا"

أحببت ابتداءَ حديثي بتلك الكلمات المُقتبسة عن الكاتب العظيم د. أحمد خيري العمري لكتابه "السيرة مستمرة"، لما وجدته في تلك العبارات من توضيح وإيجاز لما أود مناقشته في سطوريَ القليلة القادمة. فكما كان لفترة الطفولة والأيام الأُوَل من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم – دون الخوض في تفاصيلها – عظيمَ الأثرِ في تشكيل وبناء الشخصيةِ المحمدية بما حملته من أجَلِّ الصفات وأرفعها.. لدرجةِ أنه أقل ما يُقال في سبيل وصفه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه كان قرآناً يمشي على الأرض، فإن لتلك الفترة أيضاً أهمية كبرى في حياتنا، لا بل هي الأهم على الإطلاق.. فما إن تَقُم بتتبعها وتأملها حتى تتعرف على ملامح حياتك فيما بعد.

تمتد آثار تلك السنوات الأولى حتى تطال حياة الإنسان بأسرها.. فيكون لها في كل مرحلة من حياته بصمة تنعكس على أخلاقه، شخصيته، وحتى طريقة تفكيره وتناوله للأمور.. هي بمثابة الجذر للنبات، فكلما كانت الجذور قوية وأكثر ثباتاً، كانت قدرة النبتة على التحمل ومواجهة الرياح أكبر.. كلما كانت المياه المستخدمة في رعايتها أنقى والهواء أصفى، كلما جُنيت ثماراً أكثر وأجود.

وفي حقيقة الأمر فلن يختلف الإنسان كثيراً. فيأخذ الطفل فترته في محاولة تثبيت جذوره ووجوده في الدنيا وبين أفراد أسرته أولاً، استعداداً لمواجهة العالم من حوله، فبدايةً من الكلمة الأولى التي تدخل ضمن حيز إدراكه واستيعابه تبدأ شخصيته في التشكل وعقله في النمو.. من هنا تُبنى عقائده واهتماماته، تترسخ في ذهنه الفكرة تلو الفكرة.. الخيط تلو الخيط حتى يبدأ النسيج في الظهور ثم اتخاذ شكلاً مميزاً خاصاً بهِ وحده.

كم أن أجيالنا محظوظة فقد استطاعت أن تحظى ببعض الاهتمام، بعض التربية عندما كان لدى الأهل متسع.. متسعٌ لكي يبنوا ويُرَبُّوا أجيالاً بحق، متسعٌ لكي يستمِعوا، يستَوعِبوا، يُشجِّعوا، يُقَوِّموا ويُقَاوِموا

فالأفكار الأولى هي الأهم والأكثر تأثيراً على الأفكار من بعدها، يقول علماء النفس بهذا الصدد أن الفكرة لا تنجذب سوى لشبيهاتها أو لما يُكَمِّلها ويجعلها أقوى وأكثر ثباتاً، ومن المُتعارف عليه أن الأفكار المتنامية سرعان ما تشكل عقيدة راسخة لدى الإنسان يصعب تغييرها أو التلاعب بها فتأتي العقائد لتُشكِّل الشخصية والكيان والهوية، ثم إن النسيج إذا تلف فيه خيطٌ واحدٌ انسابت على أثره كل الخيوط، لذلك لا يسمح عقل الإنسان بأي تدخل في أفكاره أو معتقداته أو حتى طباعه، فقد يستغرق تغيير الفكرة الواحدة أو فقط تعديلها سنواتٍ طِوال.

في اعتقاديَ الخاص أجدُ أن العشرة أو الخمسةَ عشرَ عاماً الأولى من عُمر الإنسان هي الدرجات التي ما إن أتممتَ صعودها فأنت بذلك قد رسمت شكلاً مميزاً – أياً كانت ملامحه – لحياتك فيما بعد. فبمجرد إتمام تلك المرحلة تكون قد عبرت الحد الفاصل.. عبرت اللافتة المتواجدة عند مُفترق الطريق، والتي تُخَيِّرُكَ بين اتخاذ أيٍ من الطريقين لمواصلة المسير. لا أعتقدُ أبداً أن كلماتي تلك قد كُتبت ليستوعبها أصحاب العشرة أو الخمسة عشر عاماً. ولكن كلماتي ليستوعبها من يحملون على عاتقهم مسؤولية رسم الطريق لهم مسؤولية رعايتهم وتوجيههم، كلماتي هي لآباء وأمهات المستقبل.. المكلفون بمَهَمَّة أحسبُها من أجَلِّ المهام وأعظمِها ولا أُخفي عليكم فهي أصعبُها.. التربية. كُلُّكُم رَاعٍ، وكُلُّكُم مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِه" مهمتنا الأجل والأعظم هي تكوين لبنة صالحة مُهيئة لتصبح جزءًا فعالاً ذا قيمة في صرح دينِنا، أمتِنا ودعوَتِنا.. أن نسعى حقاً لاستحقاق لقبِ خيرَ أمَّةٍ أُخرِجت للناس.

فلتنظر يا صديقي إلى الحال الذي وصلَتْ إليه مجتمعاتنا، لا أبالغ حين أقول أنها قد أُصيبت بحالة متأخرة للغاية من العقم الفكري، العقم الثقافي والديني.. حالة من الجمود أو استنفاذ الطاقة. فيزداد إيماني يوماً بعد يوم كم أن أجيالنا محظوظة فقد استطاعت أن تحظى ببعض الاهتمام، بعض التربية عندما كان لدى الأهل متسع.. متسعٌ لكي يبنوا ويُرَبُّوا أجيالاً بحق، متسعٌ لكي يستمِعوا، يستَوعِبوا، يُشجِّعوا، يُقَوِّموا ويُقَاوِموا.. يقاوموا العفن المُتنامي في الخارج، يقاوموا الفساد المتفشي والأفكار المسمومة التي لم تظهر آثارُها إلا فيما بعد، تأمل معي الأجيال المتلاحقة.. فكلما توجهت بناظريك إلى الأجيال الأصغر سيظهر لك جلياً اندثار كلاً من الدين والأخلاق واختفائهما تدريجياً.. سيظهر لك كم أصبحوا فارغين من الداخل، وكأنهم فقاعات هوائية ما إن تفقأها حتى تختفي وكأنها لم تكن.

فكأنها محاولات متعمدة، لا كلا ليست محاولات وإنما خطط موضوعة وبدقة لدفن مجتمعاتنا حية، لإخفاء أي أثرٍ لمبادئَ أو قيم، محاوَلة لاستبدال كل إنسان ذا فِكْر بآلةٍ خاليةٍ من الحياة، لا تسمع ولا تبصر.. لا تشعر، وإنما فقط تتحرك بما يُمْلَى عليها. أيامُ أبنائِكمُ الأولى هي بمثابة تلك المنارةِ المضيئةِ في عرضِ البحر.. ما إن تَضِلَّ سفينةُ طفلِك طريقها في منتصفِ الرحلة نتيجة لمواجهته أمواج البحر العاتية، أخطاره، تحدياته وأهواله.. حتى يهتدي بمنارتِه الخاصة، فيذهبَ باتجاهها، ليبدأ رحلَتَهُ من جديد.