تأشيرة مرور.. رسالة إلى حضرة الوطن العربي المحترم جدا!

blogs فلسطين

عالمٌ كبير، يمتاز اليوم بالحداثةِ وسهولة التنقلِ من بلدٍ إلى بلد، فقط امتلك بعضَ المال والوقت لتجد نفسكَ في طائرة تنقلكَ إلى أماكنٍ تريد أن تُسقِطَ معرفتكَ وفضولك عليها، فتخلصَ بأنك استطعتَ أن تستفيدَ من كونكَ انسانًا تعيش دون عزلةٍ أو أسرٍ أو حصار. فجميعنا يحلمُ بأن يسعى بجمالِ روحهِ إلى جمال الأرض والطبيعة وذهولِ ما تركه التاريخ وأصحابهِ في جغرافيةِ هذه البقعة من هذا الكون العظيم. نحن لسنا بقاياهم، نحن "نحن"، لن نخوضَ سوى طريقَ المعرفةِ بذواتنا من بينِ مليارات من يقطنون بجانبنا على هذه اليابسة.

فيولدُ أحدنا بمنطقةٍ لا يمكن له إلا أن يجد نفسه يحمل جنسيتها، بامتيازاتها ومشاكلها، أما حال الفلسطينيون، أمرنا مختلفٌ هنا، فبمجردِ أن نقَّدِم للحصول على تأشيرةٍ لبلدٍ مجاور -على الأقل-، علينا أن لا نضع بمخيلتنا سقفًا زمنيًا لحيازتها، هذا إن لم يكن الرد "رفضًا أصلًا". فحاملي جواز سفرٍ فلسطينيّ من قبل "السلطة الفلسطينية" هم الأكثر حظًا مقارنةً بحاملي جوازات سفر دول الطوق تحت مظلة "جواز سفرِ لاجئ فلسطينيّ". فالأول على صفحته الأولى بعد الغلاف تجدُ الآتي "هذا الجواز صادر بناء على اتفاقية الحكومة الذاتية الفلسطينية وفقًا لاتفاقية أوسلو الموقعة في واشنطن في ١٣ سبتمبر ١٩٩٣. يرجى من ذوي الشأن السماح لحامل هذا الجواز المرور بدونِ تأخير أو إعاقة وعند الضرورة حمايته وتقديم المساعدة له".

في الفقرةِ الأولى نلاحظ سبب نشأة هذا الجواز، أما الفقرة الثانية، فهي محضُ وهمٍ، ربما وضعه رجلٌ يحمل جوازًا دبلوماسيًا لا يحتاج لمثلِ هذه العبارة. أما نحن المواطنون، فننصحُ بحذفها من الغلافِ الداخليّ للجواز، فنحن لسنا بحاجةٍ لها منذ أن وِضِعَت. فإننا مكتفون بالحجمِ الكبيرِ من الشعارات التي تُرَددُ طيلة عقود، فالعاملين في مطاراتِ هذا العالم، يكفيهم بأن يلقي أحدهم نظرةً على جنسيتكَ ليغلقَ عيناه عن كل ما يمكن أن يُقَدَم لراحة المسافر. لذا قررتُ أن أعودُ إلى وراء نكبةٍ عربيةٍ أشعلها الاحتلال منذ عقود، وقام بعض "مواطنو العرب" بإشعال فتيلَ نكبةٍ أخرى من الطائفية والحروب الداخلية.

فنحن نُحِب المدينة التي يقطنها مليونين من الارواح، في مسافةٍ لا تتعدى 360 كيلو متر مربع، لكن، نحن بحاجةٍ إلى بعض الهواء الذي يأتي من بيروت ودمشق وبغداد

"هنا، في أوطاننا، أشياءٌ قديمة جداً، تجعلني محاصر في هذه الدائرة، دائرةٌ قديمةٌ قديمة، زارها أو احتلها أو أحبها وسكنها الكنعانيون والفينيقيون والفراعنة وحتى الآشوريون، والبابليون، والرومان، واليونانيون، والأنباط، والسومريون، والأكاديون والنوبيون والفرس أيضاً. أريد معك أن نذهب إلى مأرب القديمة – عاصمة سبأ – هناك في شرقي صنعاء سنرى عرشَ بلقيس ومعبد الشمس، ثم إلى العراق، حيث قلعة أربيل، لنعود إلى الآشوريين، هذا جميل، فنحن الآن في القرن الأول قبل الميلاد.

نرتاح ليلتين، لنحجز أول طائرة تحط في تونس، فمدينة قرطاج تعج بالآثار يا عزيزتي، فالأميرة ُعليسة الفينيقية أبدعت في بناء تلك المدينة، فمدرجها والحيّ البونيقي يسحران الشمس، وعلى بعد ثلاثة آلاف كيلو تقريباً سنقلع إلى عاصمة مملكة كوش النوبية – السودان – فأهرامات "مروي" ليست بخير لقلة الزائرين، علنا نسعدها قليلاً.

أما الآن، فإلى بعلبك، سهل البقاع اللبناني، العامرة بالمعالم الرومانية، فالتقاط بعض الصور هناك، سيكون رائعاً، خاصة عند آثار معبد جوبيتير وفينوس، ذكِّريني بأن نسمع بجانبها بعض الموسيقى، وفي سيارتنا، وعلى بعد مئة ميل تقريباً، سنحط في مدينة صور، جنوبيّ لبنان، وبعد غداءةِ على شاطئها الساحر، سنذهب إلى مقام الخضر عليه السلام، نلقي تحيتنا وحبنا، وحيث معبديّ عشتروت وبعل، سنمكث نصف ساعة فقط، فنحن بحاجة إلى عودة للبحر والجلوس هناك طويلاً".

أما ابن مدينة غزة، يقول "هكذا يجب أن نكون، أن نبحث عن إنصافٍ لرغبةٍ فينا للحصولِ على حقنا في رؤية ما يقطن خارج هذا السجن الكبير، وللأمانةِ فنحن نُحِب المدينة التي يقطنها مليونين من الارواح، في مسافةٍ لا تتعدى 360 كيلو متر مربع، لكن، نحن بحاجةٍ إلى بعض الهواء الذي يأتي من بيروت ودمشق وبغداد". إنها بلادنا، نملكها بالحب دائمًا؛ وعودةٌ قريبة إلى رحابِ القدس وشواطئ يافا وميناء عكا.