لماذا يخشى الشعب السوداني تغيير "نظامه الفاشل"؟

دائماً ما يحملُ الطغاة في جعبتهم أسماءً يملئون بها فراغ الأخلاق الفسيح الذي تركته انحرافاتهم عن الفطرة ويعتقدون أن هذه الدندنة ستملأ ما تركوه من فراغ أخلاقي ضخم؛ ومهما كان من تحليل سياسي فإن مشكلة السودان تظل مشكلة أخلاقية دستورية مهما تزين المستبد بأسماءٍ ما أنزل الله بها من سلطان.

في سابق الأيامِ كتبتُ عدة مقالات منها ما يحملُ طابعاً فكرياً ومنها ما صُبغ بصبغةِ السياسة حول مشكلة السودان السياسية ومن ضمن هذه المقالات وأبرزها مقال نشرته على مدونات الجزيرة بعنوان (هل الحوار والثورة متضادان؟) وقد بينت فيه الخلل الجوهري الذي وقعت وظلت تقع فيه النخبة السودانية في رؤيتها للنظام السوداني واوضحت أنه ليس هناك تضاد أخلاقي بين الحوار وشرعية الثورة حتى لا يعتبر البعض أن تبني الفعل الثوري فيه تضاد لتبني الحوار والمحاورة وقلتُ في معنى السياق أن فكرة الثورة لا تنفي الحوار وذكرت في ختامه:

 

"ﻻ ﺃﺣﺴﺐ ﺃﻥ ﻳﻨﺠﺢ ﻣﺼﻠﺤﻮﻥ ﻭﻫﻢ ﻣﺼﺎﺩﻣﻮﻥ ﻟﻨﻮﺍﻣﻴﺲ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻭﻗﺎﻧﻮﻧﻪ ﺍﻟﺴﺎﺭﻱ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ، ﻭﻣﺼﺎﺩﻣﺔ ﻧﻮﺍﻣﻴﺲ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺍﻧﺘﺤﺎﺭ ﻷﻱ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺇﺻﻼﺣﻲ ﻭﺗﻐﻴﻴﺮﻱ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺼﻠﺤﻴﻦ ﺃﻥ ﻳﺪﺭﻛﻮﺍ ﻫﺪﻓﻬﻢ، ﻭﺃﻻ ﺗﺼﻄﺎﺩﻫﻢ ﻛﻤﺎﺷﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﺘﺒﺪﻳﻦ ﻓﻴﻨﺨﺮﻃﻮﺍ ﻓﻴﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻜﺎﻓﺤﻮﻥ ﺿﺪ ﻭﺟﻮﺩﻩ، ﻓﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﻟﻠﺠﺴﺪ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻴﺮﻭﺳﺎﺕ ﻓﻼ ﺑﺪ ﻟﻜﻞ ﻣﺼﻠﺢ ﺫﻭ ﻓﻜﺮﺓ ﺃﻥ ﻳﺰﻭﺩ ﻓﻜﺮﺗﻪ ﻭﻣﺸﺮﻭﻋﻪ ﺑﺎﻟﻤﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﻜﺎﻓﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻔﻆ ﻣﺎ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ، ﻣﻦ ﺗﻤﻴﺰ ﺃﺧﻼﻗﻲ ﻭﻗﻴﻤﻲ. ﻭﻛﻤﺎ ﻗﻠﻨﺎ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ، ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻮﺍﺭ ﻭﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻟﻴﺲ ﻣﺘﻀﺎﺩﺍﻥ ﻛﻤﺎ ﻳﺼﻮﺭ ﺑﻌﻀﻬﻢ، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺤﻮﺍﺭ ﻻ ﻳﻨﻔﻲ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ، ﻓﺎﻟﺜﻮﺭﺓ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺃﺧﻼﻗﻲ ﻛﺒﻴﺮ ﻭﻛﻞ ﺣﻮﺍﺭ ﻻ ﻳﺼﺐ ﻓﻲ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻓﻠﻴﺲ ﻫﺬﺍ ﺣﻮﺍﺭ ﺑﻞ ﺷﻲﺀ ﺁﺧﺮ.

ﺇﻥ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﻬﺮﺏ ﻣﻨﻪ ﺃﻏﻠﺐ ﺍﻟﻨﺎﺱ؛ ﻫﻮ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮﻱ ﺑﺎﻟﺘﻮﻋﻴﺔ ﻭﺍﺳﺘﻨﻬﺎﺽ ﺟﺜﺚ ﺍﻷﺭﻭﺍﺡ ﺍﻟﺨﺎﻣﻠﺔ ﺍﻟﺨﺎﺋﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺗﻌﺪ ﻛﻠﻤﺎ ﺳﻤﻌﺖ ﻋﻦ ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﺷﻴﺌﺎً، ﻓﺎﻟﺠﻤﻬﻮﺭ ﻫﻮ ﻣﺤﻮﺭ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ، ﻭﺗﺠﺎﻭﺯﻩ ﻳﻌﻨﻲ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺇﺻﻼﺣﻬﺎ. ﺇﻥ ﻛﻞ ﺇﺻﻼﺡ ﻏﻴﺮ ﻧﺎﺟﻢ ﻋﻦ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺍﻟﺤﺮﺓ، ﻣﺂﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺸﻞ، ﻭﻛﻞ ﺣﺮﻳﺔ ﻟﻢ ﻳﻨﻠﻬﺎ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺑﺈﺭﺍﺩﺗﻪ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ، ﻭﺩﻓﻊ ﺛﻤﻨﻬﺎ ﺩﻣﺎ ﻭﻧﻔﺴﺎً ﻭﻣﺎﻻً، ﻓﻬﻲ ﺣﺮﻳﺔ ﻣﻐﻠﻔﺔ ﻻ ﺗﺤﻮﻱ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻠﻬﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ، ﻭﻻ ﻳﺼﺒﺮ ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﺍﻟﻤﺘﺮﻭﻱ ﺑﺎﻟﻔﺴﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺣﺮﻳﺔ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﺳﺮﻋﺎﻥ ﻣﺎ ﻳﺨﻠﻒ ﻋﻬﺪﻩ، ﻭﻫﻨﺎ ﺗﺘﺒﻴﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻣﻨﺎﺹ ﻣﻨﻬﺎ، ﻭﻫﻲ ﺃﻻ ﺣﺮﻳﺔ ﺇﻻ ﺑﺎﻗﺘﻼﻋﻪ ﻣﻦ ﺟﺬﻭﺭﻩ ﺑﺜﻮﺭﺓ ﻋﺎﺭﻣﺔ ﻗﺪ ﺗﻬﻴﺄﺕ ﻭﻋﻴﺎً ﻭﻋﺮﻓﺖ ﻫﺪﻓﻬﺎ ﻭﻣﺸﺮﻭﻋﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺗﺮﺳﺨﺖ ﻗﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ ﻛﻞ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ، ﻭﺣﻴﻨﻬﺎ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻼﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻣﻦ "ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﻝ ﺃﻭ ﺍﻻﻋﺘﺰﺍﻝ" ﺑﺘﻌﺒﻴﺮ ﺍﻟﻜﻮﺍﻛﺒﻲ".

كل حل لمعضلة اقتصادية لم يسبقه حل للمشكلة الدستورية والأخلاقية التي هي الخيوط الأساسية لكل بناءِ حضاري رشيد فهي تلاعب مكذوب ونفشة فائرة لا تحمل في طياتها إلا الفراغ

ومقال آخر تم نشره بعنوان (حوار وطني أم تمهيد ثورة؟) وبينت فيه أن ما كان يجري من عملية حوار وطني كان من الأجدى تفعيل الشارع وخموله للتأكيد على مخرجات الحوار الوطني التي تعج بالحريات والوثائق الدستورية؛ وقلت أن للحوار مع المستبدين تجربة تقود للثورة في نهاية المطاف مهما كان شكل تلك الثورة حتى وان كانت ثورة وعي وفكر وأن ذلك سنة من سنن الله تعالى فليس من عادة الطغاة ان يرضخوا لمخرجات وبنود تقود في نهاية الامر لتنحيهم عن حكم البلاد.

لقد ظل السودان يتلاعب به نظام فاشل مستبد لا يعرف إلا تكرار الفشل ولوك الكلام واجترار الألفاظ؛ والطغاة دائما ما يخدعون الجماهير الغافلة بسذاجات الأمور وتوافه الألفاظ التي تقال في فراغ أخلاقي شاسع؛ فمرة يطلق البشير ما أسماه (الوثبة) وكأنه صاحب الشأن الرفيع في الحنكة السياسية لكنها عادة الطغاة في خداع الجماهير المذعنة الذلولة الغافلة. وما إن ينتهي مفعول كلمة الوثبة ككلمة تقال لا تتجاوز الحناجر حتى تتلوها كلمة تشغل الرأي العام الغافل فتاتي (الصدمة) على لسان من عينه البشير جديداً للوزراء؛ حيث قال أنه سيعالج مشكلة اقتصاد السودان بنظرية (الصدمة) وقد صدق فهي طامة ستحلُ جديدة على الشعب. وما بين وثبة مكذوبة وصدمة محتومة تعيش قوافل الشعب الخائف الذي تراكمت عليه الهموم واستبد عليه حال المعيشة وأثقل كاهله رغيف خبز.

إن كرامة الشعوب لا تُصنع برخيص الثمن ومن ينتظر من طاغية غطى عليه الفساد والاستبداد حلاً فسيموت منتظراً ويعيش ذليلاً فكما قال إقبال فيلسوف الشعر الإسلامي العظيم:


الخطوةُ الأولى لنهضةِ أمةٍ
تحريرها بالعزمِ والإصرارِ
لو أمكن التطهيرُ أمكن بعده
أن يبدأ التعمير للأفكارِ

فكل حل لمعضلة اقتصادية لم يسبقه حل للمشكلة الدستورية والأخلاقية التي هي الخيوط الأساسية لكل بناءِ حضاري رشيد فهي تلاعب مكذوب ونفشة فائرة لا تحمل في طياتها إلا الفراغ؛ والطغاة المستكبرين لا تزيحهم إلا المقاومة الناضجة الواعية الهادئة طويلة الأمد؛ وكما ذكر الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد قائلا: "وقد تمحّص لدي أن الاستبداد هو الدّاء؛ ودواءه دفعه بالشورى الدستوريّة"، ومن هنا في المشكلة الأساسية هي أزمة دستوريّة وما مشكلة الاقتصاد إلا عرض للمرض. وعلى كلِ مخلص يريد أن يسعى وراء الحلول أن يسلك مسلك استنهاض الناس بالوعي وبث الروح الأخلاقية الدافعة للتغيير فالإنسان محور كل عمل حضاري ناجح؛ وكل تعمير يسبقُ التحرير أمده قصير ضئيل.



حول هذه القصة

قال أزيكيل لول قاتكوث وزير النفط بحكومة جوبا إنهم سيدفعون مليار دولار للخرطوم تعويضا كانوا التزموا به عن الخسائر النفطية نتيجة انفصال الجنوب عن السودان عام 2011.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة