في ظلال القرآن.. كيف عاش سيد قطب رحلة كتابه؟

مدونات - في ظلال القرآن

لقد سار الاستاذ الشهيد سيد قطب في ظلال القرآن الوارفة سنوات يتفيؤها، لم يفارقه فيها رغم مشاغله. أقبل فيها على آياته ينهل من معينها، ويحيا على معانيها وصورها، حتى ختم رحلته بتفسير القرآن، وكتابة الظلال.  لقد توقف خلال رحلته تلك بمحطات مهمة، إذ لم يكن الوصول إلى الظلال عبر وثبة، أو خطوة واحدة! كانت محطته الأولى والمهمة كتابه (التصوير الفني في القرآن) والذي كان له الأثر العظيم في حياته وبدايته، حتى أنه اقتبس منه في الظلال كثيراً.

وفي محطته الثانية بدأ في تجهيز مشروعه القرآني الذي سماه (مكتبة القرآن الجديدة)، وما قد أعد لها من عناوين ومؤلفات، وإن لم تكتمل. وفي المحطة الثالثة ألف كتابه الجديد (مشاهد القيامة في القرآن) يقول فيه: "والقرآن: هذا الكتاب المعجز الجميل. هو أنفس ما تحتويه المكتبة العربية على الاطلاق، فلا أقل من أن يُعاد عرضه، وأن تُرد إليه جدته، وأن يُستنقذ من ركام التفسيرات اللغوية والنحوية والفقهية والتاريخية والأسطورة أيضاً". وفي المحطة الرابعة أعلن في ختام مشاهد القيامة، نيته عرض القرآن. يقول: "ذلك الهدف البعيد هو إعادة عرض القرآن واستيحاء الجمال الفني الخاص فيه، واستنقاذه من ركام التأويل والتعقيد وفرزه من سائر الأغراض الأخرى التي جاء لها القرآن، بما فيها الغرض الديني أيضاً، فهدفي هنا هدف فني خالص محض". وفي محطته الأخيرة توقف طويلاً في ظلال القرآن مفسراً.

وعن اختياره للعنوان يقول في مقدمة الظلال: "عنوان لم أتكلفه. فهو حقيقة عشتها في الحياة.. فبين الحين والحين كنت أجد في نفسي رغبة خفية في أن أعيش في ظل القرآن فترة. استروح فيها ما لا أستروحه في ظل سواه. فترة تصلني بالسماء، وتفتح لي فيها نوافذ مضيئة وكوى مشعة وهي في الوقت ذاته تثبت قدمي في الأرض، وتشعرني أنني أقف على أرض صلبة، لا تدنسها الأوحال، ولا تزال فيها الأقدام. وكانت تعن لي في هذ الجولات خواطر متناثرة: خواطر في العقيدة، وخواطر في النفس، وخواطر في الحياة، وخواطر في الناس.. كنت أكتفي بأن أعيشها ولا أسجلها. فقد كان حسبي أن أعيش هذه اللحظات في تلك الظلال. فلما أن صدرت (المسلمون) وكان علًّي أن أشترك في تحريرها بمقال شهري، قفز إلى ذهني: (في ظلال القرآن) ووددت لو سجلت هذه الخواطر التي تتوارد عليّ أحياناً وأنا أحيا في ظل القرآن".

وبدأ يقدم كل شهر للمكتبة ما اتفقا عليه، حتى كان العام 1954م كان قد قدم ثمانية أجزاء. ثم كانت المحنة الرهيبة التي تعرض لها الإخوان المسلمون، واعتقل كاتبناً وأُودع السجن الحربي.

وبعد سنوات من كتابة مشاهد القيامة، يتقدم الاستاذ المفسر من تحقيق هدفه، ويقدم حسب ما يرى الاستاذ يوسف العظم: "أروع ما قدم كاتب معاصر في الفكر والأدب والرأي والتأويل في مجال الدراسات القرآنية والعقيدة الإسلامية". يقول الاستاذ سيد: "ثم طمحت الرغبة، وامتد الأفق إلى محاولة أخرى.. ماذا لو عشت فترات في ظل هذا القرآن كله. فسجلت كل ما يخالج نفسي، وأنا أستروح هذا الجو العلوي الطليق! إنه ليكون كسباً لا يعدله كسب لروحي أولاً ولذاتي. وربما شاركني فيه الناس، إذا أنا جمعته لهم في كتاب.. ووفق الله وسرت في هذا الشوط خطوات.. تلك هي قصة هذا الجزء الذي يصدر اليوم في هذه الصورة، وقصة الأجزاء التي تليه بإذن الله".

ويحدد الاستاذ المفسر أسلوبه في التفسير وطريقته في التأويل فيقول: "وبعد.. فقد يري فريق من قراء هذه (الظلال) أنها لون من تفسير القرآن. وقد يرى فريق آخر أنها عرض للمبادئ العامة للإسلام كما جاء بها القرآن. وقد يرى فريق ثالث أنها محاولة لشرح ذلك الدستور الإلهي في الحياة والمجتمع، وبيان الحكمة في ذلك الدستور.. أما أنا فلم أتعمد شيئاً من هذا كله، وما جاوزت أن أسجل خواطري، وأنا أحيا في تلك الظلال. كل ما حاولته ألا أُغرق نفسي في بحوث لغوية أو كلامية أو فقهية تحجب القرآن عن روحي وتحجب روحي عن القرآن، وما استطردت إلي غير ما يوحيه النص القرآني ذاته؛ من خاطرة روحية أو اجتماعية أو انسانية، وما أحفل القرآن بهذه الايحاءات. كذلك حاولت أن أعبر عما خالج نفسي من إحساس بالجمال الفني العجيب في هذا الكتاب المعجز، ومن شعور بالتناسق في التعبير والتصوير. ولقد كانت هذي إحدى أماني منذ فرغت من كتاب التصوير الفني في القرآن قبل ثمانية أعوام، وسجلت فيه ما بدا لي واضحاً يومذاك: إن التصوير هو القاعدة الواضحة في التعبير القرآني الجميل.. وكنت قد أدرت الكتاب كله على هذا المحور لشرح هذه القاعدة والتمثيل لها من القرآن. كانت إحدى أماني أن يوفقني الله إلى عرض القرآن في هذا الضوء.. ثم كمنت هذه الرغبة أو توارت. حتى ظهرت مرة أخرى في هذه الظلال".

وبدأ الاستاذ سيد قطب كتابة الظلال في مجلة المسلمون، التي أصدرها سعيد رمضان، واستكتب فيها عدد من الكتاب والمفكرين كان علي رأسهم الشهيد سيد قطب، الذي بدأ ينشر في المجلة موضوعاً ثابتاً تحت عنوان (في ظلال القرآن) وكان ذلك في أواخر عام 1950م. ثم تقدمت مكتبة دار إحياء الكتب العربية بعرض للتعاقد معه على أن يقدم لها جزء من الظلال كل شهر. ووافق على العرض، وبدأ يقدم كل شهر للمكتبة ما اتفقا عليه، حتى كان العام 1954م كان قد قدم ثمانية أجزاء. ثم كانت المحنة الرهيبة التي تعرض لها الإخوان المسلمون، واعتقل كاتبناً وأُودع السجن الحربي؛ الذي قدم منه ثلاثة أجزاء كان آخرها الجزء الحادي عشر. ثم توقف لمرض ألمَّ به نزل على إثره مستشفى السجن حتى تحسنت حالته ورجع يُكمل كتابة الظلال في سجنه. يقول الاستاذ يوسف العظم: "لقد كانت نتيجة تلك التجربة الرهيبة والإقبال الكلي على القرآن أن يخرج للفكر الإسلامي عمل ضخم أكبر من أن يقمه رجل واحد وعقل واحد؛ لو لم يؤيد ذلك العقل بإلهام رباني وفتح إلهي كشف عن بصيرة الرجل ليرى مالم يرَ الكثيرون، ويكتب في مجال القرآن تفسيراً وتأويلاً وفهماً بعيداً كل البعد عن ضيق الأفق وترف الفكر وضلال الهوى".