تجاعيد المرأة غير المتزوجة.. عقد نفسية أم تقدم بالعمر؟

مدونات - فتاة

ليس من الصعب أن ترصد داخل المجتمع المغربي تحديداً ملامح فتاة وتصنفها ضمن خانة الغير متزوجات، لا سيما التي تجاوز بها السن أكثر من ثمانية وعشرون سنة، فتلك التجاعيد المتعددة وتلك الهالات السوداء على محياها تسبق بسنها أكثر من 10 إلى 15 سنة إضافية. وفق العديد من الدراسات، فإن المصدر المباشر للتجاعيد هو تقدم السن، لكن بالموازاة مع ذلك فإن هناك أسباب حددها العلماء في تصنيفات عدة؛ منها الجانب الوراثي أو التغذية، ثم الجانب النفسي كذلك وأثره الكبير في تسريع وثيرة الزمن بالنسبة لشخص دون آخر.

هذا الوضع النفسي هو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الفتاة المغربية الغير متزوجة بمختلف تصنيفاتها الطبقية ولا حتى الأيدولوجية، ليس تعميماً بالدرجة الأولى لكن هو السواد الأعظم، وتبقى بعض الاستثناءات البسيطة التي تكاد في كثير من الأحيان منعدمة. إن المجتمع بمختلف أيدولوجياته وموروثاته يشكل عبئاً كبيراً على الفتاة سواء تعلق الأمر بالأسرة أو خارجها، ويجعل منها تشعر أنها شيء إضافي يجب ركنه إلى مكانه الصحيح في نظر المجتمع أي الزواج. بل إن فئة عريضة من الأسر المغربية لها ثقافة تصل إلى حد أن الأخ الأكبر للبنات في العائلة لا يمكن له الزواج إلا في حالة خروج جميع أخواته من المنزل وربما يصل إلى عمر الأربعين أو ما يزيد وهو ينتظر آخر أخت له لمغادرة المنزل أو ربما ينتظرهم كلهم. إن الفتاة الغير متزوجة بهذا المنظور تجعل من نفسها عقبة وتشرع في عد الشهور بدل السنين وهو ما يزيد الوضع تعقيداً، فقد أدمجوا فيها وهي صغيرة أن هناك وقت تعارف عليه المجتمع ككل للزواج وهو سن أقل من ثلاثة وعشرون سنة. وهذا السن ربما يصير الحد الأعلى في جدول الطلبات، وبالتالي التي دخلت في الرابعة والعشرين أو ما يزيد فلا يمكن إلا أن تشعر بالقليل من الشك والحيرة، وهذه الأحاسيس تزداد كلما زادت السنوات. مما يجعل من الغير متزوجة وعاءً كبيرا ًجداً يحوي العديد من التراكمات النفسية التي تدخل في خانة المسبب الفعلي للتجاعيد.

لقد رفضت الفتاة بشكل عام هذا الشرط الوحيد الذي حدده المجتمع للرجل مؤخراً، وطالبت بشروط أخرى من قبيل الوسامة والتقارب في السن والعمل والمستوى التعليمي والاستقلالية الأسرية.

لقد ارتبط الزواج في المغرب تاريخياً في كل المناطق تقريباً بسن مبكرة سواء بالنسبة للذكور أو الإناث، إلا أنه مؤخراً تم تمديديه لاعتبارات أهمها الدراسة أو البحث عن الوظيفة والخروج إلى سوق الشغل. ورغم أن المرأة وجدت لنفسها مجال لتتخلص من ضغط الوقت المميت الذي لا يزيد الطين إلا بلة، إلا انها بفعل التفكير في هذا المعطى الذي فرضه السياق المجتمعي، لم تستطع تجاوز هذا القرص المدمج الذي وضع فيها وهي تتلقن الحروف الأبجدية. هذا القرص الذي صيغ بقالب ذكوري محض وضع لهذه الفتاة خطوط التحركات التي يجب عليها ألا تتخطاها إذا ما أردت أن تعبر إلى ضفة الزواج بأمان. ووضع لها مجموعة قوانين ومفاهيم من قبيل: الحشمة والوقار والعفاف والجمال.. وكلما نقص عنصر من بين هذه العناصر فهذا يعني أن الشروط غير مستوفية تماماً. وبالتالي ربما يتم إعادة التفكير في موضوع الارتباط من طرف الذكر. من جانب آخر فالمجتمع تعارف على أن الرجل لا يعيبه إلا ماله. فإذا توفر هذا الشرط فهو كافي لحجب ما وراءه من شروط.

لقد رفضت الفتاة بشكل عام هذا الشرط الوحيد الذي حدده المجتمع للرجل مؤخراً، وطالبت بشروط أخرى من قبيل الوسامة والتقارب في السن والعمل والمستوى التعليمي والاستقلالية الأسرية.. كل هذه شروط وضعتها الفتاة حالياً لا سيما بعد خروجها للدراسة في مستويات ما بعد البكالوريا وولوجها سوق الشغل، مما يوحي أنها قد ثارت على ذلك القرص المدمج الذي كانت تحمله. لكن هذه المعطيات كاملة نسجل هنا أنها مطالب خاضعة عند جل الغير متزوجات لمسألة السن، وكل ما تقدم السن شيئاً فشيئاً إلا وتقل هذه المطالب وتعود بشكل فوري الى دائرة التقوقع والتصنيف من قبل نفسها قبل المجتمع. نعتقد أن هذا التصنيف هو ما جعل من هذه الفتاة الغير متزوجة في المجتمعات العربية كافة وفي المجتمع المغربي على وجه التحديد، تصاب بهذه العقد النفسية التي وكما أشرنا سابقاً تسرع من عملية تشكل التجاعيد على وجوه هؤلاء النساء وهو ما يجعلهم يظهرن بمظهر أكبر من سنهم الحقيقي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المجتمع الفرنسي قد التفت سابقاً إلى هذا التصنيف من خلال نداء العديد من الجهات الحقوقية، على أنه لا يعبر إلا عن حيف يصيب المرأة الفرنسية، بينما يظل منصفاً للرجل. وقد جاء في مطلبهم الأساسي أنه يجب المناداة على كل من المرأة المتزوجة والغير المتزوجة باسم مدام عوض مزموزيل، الذي كان حكراً على المرأة الغير متزوجة. وذلك أسوة بالرجل الدي يتم المناداة عليه باسم مسيو سواءً كان متزوجاً أو العكس. إننا نعتقد أن المجتمعات العربية قد آن لها الأوان كي تخوض هذه التجربة، وأن تكون هناك دراسات على المستوى النفسي والسيكولوجي، محاولة منها لتجاوز هذه التصنيفات القديمة ومحاولة إدماج ثقافة جديدة تسمح للمرأة بالاحتفاظ بكيانها كاملاً ولا ينقص منه شيء لمجرد أنها ضلت عانساً أو لرغبة منها في عدم الزواج؛ وبالتالي محاولة القطع مع بعض الموروثات التي أخضعت أجيالاً عدة لخرافاتها.