لربما كان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، أسوأ كوابيس دولة الاحتلال الإسرائيلي، بالنظر إلى مسببات ودوافع نشأة المنظمة، وبنود ميثاقها الوطني التي تضمنت تحرير كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر الكفاح المسلح، باعتباره الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.
غير أن هذا الكابوس سرعان ما تحول إلى ربيع وجدت فيه إسرائيل شهداً، بعد أن انحرفت المنظمة على مدار العقود الماضية عن مسارها وأهدافها، بدءاً من تبني فكرة إنشاء دولة فلسطينية مؤقتة على جزء من الأراضي المحتلة، مروراً بدخولها في تسوية سياسية مع الاحتلال، وليس انتهاءً بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وتعديل ميثاقها الوطني بما ينسجم مع المتغيرات التي طرأت على جوهر الصراع العربي الإسرائيلي بعد اتفاقية كامب ديفيد.
تلك المتغيرات أدت إلى انقلاب كامل في المنظومة الفكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إذ تحللت من الهدف الذي قامت من أجله وهو التحرير، وبالتالي سقط الكفاح باعتباره خياراً استراتيجياً، وتحولت المنظمة إلى كيان لا خيار له سوى التسوية، فتلاشت الثوابت وسقطت الحقوق، وأصبحت مجرد شعارات واشتراطات في مفاصلة خاسرة أُجهض فيها المشروع الوطني برمته.
| بالرغم من اندلاع انتفاضة الأقصى، وقيام السلطات الإسرائيلية بتدمير مقرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وشن ثلاثة حروب على غزة، فإن سلطة رام الله ظلت متمسكة بخيار التنسيق الأمني مع إسرائيل |
في خضم الانتكاسات التي تعرضت لها القضية الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير، كانت اتفاقية أوسلو المنعطف الأكبر في مسيرة نضال الشعب الفلسطيني، وأوسلو هي الاسم الذي بقي من إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الإنتقالي، الموقع بين منظمة التحرير وإسرائيل عام 1993، بعد أن غادره كل شيء، حتى الشخوص السياسية الموقعة عليه.
وكانت نقطة التحول في مسار أوسلو، عملية الاغتيال التي تعرض لها رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، وذلك بعد عامين فقط من التوقيع على الاتفاق، حيث كان من المقرر ألا تتعدى المرحلة الانتقالية خمس سنوات، قبل البدء بالتفاوض حول قضايا الوضع النهائي بناء على قراري مجلس الأمن رقم 242 و338.
وقد أتاح ذلك المجال أمام اليمين الإسرائيلي المتطرف لإطالة أمد المرحلة الانتقالية، ومن ثم اختزال الاتفاق بالتنسيق الأمني، أي تحويل السلطة الفلسطينية إلى مجرد كيان وظيفي يعمل على حماية أمن إسرائيل، إلى جانب تحمل أعباء وتكلفة إدارة شؤون الفلسطينيين، لتحقيق المعادلة التي أقرّها مؤخراً الرئيس الفلسطيني محمود عباس: سلطة بلا سلطة، واحتلال بلا كلفة.
وبالرغم من اندلاع انتفاضة الأقصى، وقيام السلطات الإسرائيلية بتدمير مقرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وشن ثلاثة حروب على قطاع غزة، فإن سلطة رام الله ظلت متمسكة بخيار التنسيق الأمني مع إسرائيل، ضاربة عرض الحائط دعوات كافة القوى الوطنية لها بمقاطعة دولة الاحتلال، ووقف التنسيق الأمني معها.
ومع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض، واتخاذه خطوات غير مسبوقة استهدفت تصفية القضية الفلسطينية، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل مقر سفارة بلاده إليها، ووقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، لم تقم السلطة باتخاذ خطوات مضادة على ذات المستوى. وهو الأمر الذي طرح تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء تشبث القيادة الفلسطينية بالتنسيق الأمني مع إسرائيل.

تدرك قيادة السلطة أن جوهر وجودها قائم على التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال، باعتبارها صمام أمان ضد أي محاولة فلسطينية تستهدف الكيان الإسرائيلي، سواء كانت في إطار فردي أو ضمن تنظيم جماعي. كما تعلم أن ما يهم الجانبين الإسرائيلي والأمريكي في وجودها داخل مناطق الحكم الذاتي، ألا تتخلى عن دورها وواجباتها الأمنية.
وبالتالي فإن وقف التنسيق الأمني سيكون بمثابة القشة التي ستقصم ظهر البعير وتعلن إنهاء عملية السلام، ما يعني فتح المواجهة مع إسرائيل والعودة إلى المربع الأول في معسكر الصراع، وهو الأمر الذي لا ترغب به المنظمة، لخشية قياداتها من مصير الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي رفض التنازل عن القدس في قمة كامب ديفيد عام 2000، فتعرض لحصار شديد أدى إلى وفاته.
والمؤسف أن ما رفضه عرفات في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، فرضه ترامب عنوة وبدون كلفة، بل أكثر من ذلك، قام بإبلاغ القيادة الفلسطينية بقراره مسبقاً، فماذا كانت ردة الفعل؟ التمسك بخيار السلام باعتباره الطريق الوحيد لحل القضية الفلسطينية، والتهديد بالبحث عن راع آخر للمفاوضات غير الإدارة الأمريكية، عملاً بمبدأ جحا الذي انصرف عن سارق أرضه بالبحث عن قاض نزيه لا يخشى في الحق لومة لائم
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

