شعار قسم مدونات

المتفوقون التعساء.. بين الحقيقة والوهم!

BLOGS تفكير

شيئاً فشيئاً.. وبصوتٍ هادئ يصغُر حجم هذا الكون المتشائم ويتضاءل عُمقه فينا حين نكبر.. تتسارعُ لحظَات العمر خَاطفةً معهَا تلك الأماكن والأزمنة، التي أصبحت كترنيمة حلمٍ صباحية، ندبت حَظها مع سِّيمفُونِيَّة حزينة، أضافت إلى طعمها شَذراتٍ سوداوية خلف مستقبلٍ وهمي يتنكرُ خلف أشعة شمس ذهبية، كانت يومًا ما ترنو إلى طيفٍ سيأتي من بعيد يُبشرها باقتراب موعد قطف ثمرات التفوق من بستان العمر المُتمرد. تتلصص أيام الدهر لِتَسرق شموع أمالنا خلسة خلف وهم التوفق الدنيوي، الذي لطالما ذهب في أحضانه الكثير.. بعدما رسمت دفاتر الأيام ذلك الأجل نقشًا على التابوت، فأصبحنا نرتل "رَبِّ ارْجِعُونِ" بمزمار الندم فوقَ رُبا التعساء.

أيُها المُتفوق التعيس أقولها لك بكل صدقٍ وتجرد، ما قيمة مكانتك الفارهة، وقصرك المثالي، وسيارتك الجميلة، وشهاداتك المكللة بالتفوق والنجاح، بل ما قيمة الدنيا كلها؟! إن كنت ستُكب على وجهك في السعير يوم القيامة. نعم، ستترك جاهك ومنصبك وأموالك.. وستقابل ربك وحيدًا، وستدخل قبرك خائفًا شريدًا، حيث لا أهل ولا مال ولا أحباب. ماذا ستقول لربك وأنت تُقر عينك بالمعاصي والذنوب وتلهث وراء الشهوات؟! كيف تفرح وأنت تخاطب الفتيات وتفقدهن حياءهن وطهر قلوبهن؟! كيف تنجح في الأخرة وأنت تظلم الناس وتعق أباك وأمك؟! كيف تأكل ملأ بطنك وتنام ملأ عينك حرام؟! كيف يطيب عيشك وأنت عن حياتك الأبدية غافل؟!
  

أخي الجنة ليست صعبة المنال، لكن شتان بين أعلى درجاتها وأدناها، فلماذا ترضى بدون منها؟! هل الدنيا تستحق منا هذه المعانة والكد والغضب إن كنت ستتركها؟! مر علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- ذات يوم بالقبور فقال: (السلام عليكم يا أهل القبور أما أموالكم فقد قسمت، وأما بيوتكم فقد سُكنت، وأما نساؤكم فقد تزوجن غيركم، هذا خبر ما عندنا،  فما خبر ما عندكم؟ صَمت وبكي علي كرم الله وجهه قليلًا ثم قال: لو شاء الله لهم إن يتكلموا لقالوا: إن خير الزاد التقوى). 

لتحيا أخي حياةً كريمة متزنة يجب عليك أن تغرس بقلبك أنَّ قمة النجاح هو أن تتجاوز النجاح الدُنيوي إلى نجاح أخروي مخلد، فقمة السمو أن تنتقل من نجاح الدنيا إلى نجاحي الدنيا والآخرة

اعلم أخي أن الدنيا زائلة وغير باقية، وأننا فيها كالمسافر، والمسافر لا يحمل إلا ما خفَ وغلى، فاقصد وقلل من زادها الفاني، واترك ما لا تحتاجه، واعمل على تزيين بيتك في الجنة بالعمل الصالح؛ لأنه هو الخالد وما غيره فاني. قال الشيخ صالح: (الدين هو رأس المال، أما الدنيا فإنها زائلة، إما أن تؤخذ منك وإما أن تؤخذ أنت منها فأنت زائل والدنيا زائلة، ولا يبقى إلا العمل الصالح الذي خلقك الله من أجله). لذا فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجبات وغيرها.. فإن باغته الموت كان مستعداً له، وإن نال الأمل ازداد خيراً.

هذا لا يعني أن تترك الدنيا دون عمل وجد .. بل إن السعي فيها والتلذذ بنعيمها أمر محمود لا ينكره عاقل، لكن التعلق فيها بتزيينها وتشييدها مُقابل الآخرة هنا تكمن الطامة الكبرى. لتحيا أخي حياةً كريمة متزنة يجب عليك أن تغرس بقلبك أنَّ قمة النجاح هو أن تتجاوز النجاح الدُنيوي إلى نجاح أخروي مخلد، فقمة السمو أن تنتقل من نجاح الدنيا إلى نجاحي الدنيا والآخرة، ومن خير الدنيا إلى خيري الدنيا والآخرة. قال الله تعلى في كتابة العزيز: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ). و في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إنْ أُعطِي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ) رواه البخاري.

ختامًا، أقدم سلامي لتك الروح، التي تتناغم مع هذه النفس التي لا يهُمها ما يحدث من شوائب الدنيا؛ فلا تَجزع وتَصبر على فتنها وتستند بظهرها المائل على ِصِراطه المستقيم.. حتى تُشبع نفسها من جُرعات الحب والقناعة؛ لتصبح أكثر اتزانًا على صعيد المعرفة والتأمل والعبادة، حتى تصل إلى بر الأمان الأُخرَويّ.. فسلام لهذه النفس، وحبي لتلك الروح، والمجد للعقول النيرة.