فعلا غريبة هي المشاعر..

في ذات يوم وأنا جالس على أريكتي، سألت نفسي… لماذا يتألم الطفل عندما يشعر أنه سيترك حضن والدته؟ ولماذا يتألم الشاب عندما يشعر بحرقة الفراق بعيدا عن منزله ووالديه؟ ولماذا يتألم الرجل العجوز عندما يشعر أنه بعيدا عن وطنه وأرضه؟ ولماذا يتألم الرجل المُحِب عندما يشعر أنه في لحظة من اللحظات سوف يفقد مَحْبوبته؟ فعلا غريبة هي المشاعر.

شاهدت مشهدا غريبا ومُحيِّرا، متحابان منذ سنوات، ولكن لسبب ما ولظروف خارجة عن إرادتهما لم يكن لهما أن يتزوجا فيرتبطا بالرباط المقدس الذي يرغبه وبشدة كل منهما. قررت المرأة ذات يوم ومن طرفها دون طرف حبيبها أن تقلل من تواصلها معه من دون أن تقطع علاقتها به نهائيا، ولكن هو لتقليل التواصل والتعلق ببعضهما، ولكن ما أن فهم الرجل نوايا حبيبته حتى اشطاط غضبا من داخله دون خارجه، فتكلم مع حبيبته بطريقة أظهر بها أنه هو جدا مستاء، أحست حبيبته بحرقة قلبه وفجاعة حاله، ارتأت أن تتركه لليوم التالي حتى تهدأ نفسه وترتاح أعصابه.

عاش هذا الرجل طوال الليل في أرق وقلق، لم يُغمض له جِفن، ولم يَهْدأ له بال، ولم تنطفئ له نار، وفجأة وفي لحظات قليلة أرسل لحبيبته نادمًا متأسفًا عن سوء تصرفه معها، وبرَّرَ بُزوغ خطأه بِصَدْمته من كشف نواياها له، وأقر لها بأنه سوف يبقى بجانبها بأي قرار تريد أن تتخذه هي مما يجعلها سعيدة به. قبلت اعتذاره بل لم تتضايق إلا عليه وليس عليها.

شعور هذا الرجل وإحساسه بأنه قد يفقد حبيبته جعل الألم مضاعفا كجيش يغزو على حين غرة، ألم وكأنه يتمزق من الداخل مثل نزع الشوك من الصوف

سؤالي هو.. لماذا كل هذا الألم الذي فجع بهذا المُحب، ولماذا تضايق وهو وهي على دراية ويقين أنه لن يكون هناك ارتباط حقيقي بسبب ظروف كل منهما؟! أنا هنا لست بصدد التطرق إلى الظروف المحيطة بهما، ولكني بصدد التحدث عن هذا الموقف والشعور الذي ألم بهذا الرجل المُحب والذي أستطيع أن أقول عنه الرجل المسكين. إن ما شعر به هذا الرجل في تلك اللحظة قد يكون نفس شعور الطفل الذي يحتاج إلى حضن أمه وحنانها، وهو على يقين بأن نقص هكذا مشاعر سوف تولِّد في نفسه نزعات ليست بسوية وتصرفات غير ناضجة. هو شعور ذلك الشاب الذي يريد التغرب عن أهله لأول مرة، وهو شعوره بعدم الأمان وعدم الاستقرار في مكان بعيد غريب مجهول لأول مرة لا يعرف ما قد يصادفه أو يلقاه من دون درعه وحصنه وسلاحه المكون من أهله ووالديه. هو شعور ذلك الرجل العجوز الذي تغرب عن وطنه وأرضه والذي كان من أمنياته أن يموت في أحضان أرضه، تحت ظلِّ أشجارها، ودفئ كُرومها.

عندما نرى هذه المشاعر مجتمعة لتكون متولدة في جسد واحد وقلب واحد وروح واحدة، أستطيع القول عن هذا الرجل فعلا إن الرجل مسكين. ولكن هل هذه المشاعر من هذا الرجل المُحب وتصرفه العصبي مع حبيبته هو نوع من الأنانية من ناحيته هو؟ يريد أن يكون له ما لا تستطيعه يده الوصول إليه، ولا العقول من الممكن أن تصدق ارتباطه بها؟ أم هو تصرف قاسٍ من حبيبته تجبرت على حبيبها رغم أنها ليس لها من الأمر حيلة؟ فهي من الصفاء والنقاء وجمال الروح ما يميزها ولا يكون في غيرها.

شعور هذا الرجل وإحساسه بأنه قد يفقد حبيبته جعل الألم مضاعفا كجيش يغزو على حين غرة، ألم وكأنه يتمزق من الداخل مثل نزع الشوك من الصوف، ألم لم يتحمل أوجاعه حتى بدأ بالآهات والصيحات والانفعالات، ألم يواجه فيه نزاعات نفسية بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الخطأ والصواب، بين البكاء والضحك، بين الحزن والسعادة. صراع مرير لم يتحمله هذا المسكين حتى خرج دفعة واحدة من دون تحكم ولا إرادة، وكأن العقل طاش، والفكر تناثر، والقلب تدحرج، والعيون تحول نورها ظلمة، ألوان لدنيا هي جميلة تحولت إلى سواد قاتم درجاته من السواد، جسد قوي أصبح هزيلا واهنا في لحظات قليلة.

فعلا غريبة هي تلك المشاعر التي تتحكم في الإنسان، هي مشاعر من وجه جميلة ومن الوجه الآخر لها فيها من الخبث والمكر، تطيح برأس صاحبها، وتَقْطَع بقلبه، وتضرم النار في أفكاره فتطير متخبطة متضاربة لا تدري في أي اتجاه هي ولا تعلم أين تذهب ومن أين تبدأ فلا صفة رشيد له وليس له من العدلِ قولٌ يقول.

بعد إقراره لها بالمكوث بجانبها باي قرار تأخذه، ظن في لحظتها أنه قادر على أن ينسى ويواكب التغيير الذي سيكون في حياته، وأنه رجل يستطيع أن يسيطر على مشاعره أكثر، ولكن… ومع ضحكات أيام وسنين كانت لهما دون غيرهما، وابتسامات من الحزن والأسى وكَذِب نفس، اتضح أنه في أول معركة له انهزم هزيمة نكراء، هزيمة لم يتوقعها هو نفسه، هزيمة خجل فيها من نفسه حينما أصابته، فأصبح يفكر ويسأل نفسه، ما الذي أصابه؟! وما الذي أوصله إلى هذا الضعف الذي هو فيه؟! ألم يكن يوما أقوى من ذلك وهو من كان في مشاعره المتحكم الأول والأخير؟!

مشاعرنا هي آلام مُدَوِّية، ينفجر فيها القلب من فورانه فتُغلي بها دماغه وتتشتَّت أفكاره، هي آلام أوجاعها غريبة ليس لها دماء تسيل، ولا عظام تُكسر، ولا عيون تُعمى
 

في حالة هذا الضعف تنتقل سُلطة التحكم في المشاعر من الرجل إلى المرأة، سُلطة يتم نَقلها وتَناقُلَها من دون تخطيط ولا دِراية، يتم نقلها لا من بائع ولا إلى مُشتري، يتم نقلها إلى غير أيدِ صاحبها، فإذا كانت هذه الأيدِ أمينة صانَتْها وأَكْرمتها، ومن الدَّلال والحب والحنان أَعْطَتها، ولكن إذا كانت غير ذلك أذلَّتها وأهانتها، ومن كِتمان المَشاعر والجَفاف جَهِلَتْها. نعم هي مشاعر مَمْلوكة كالعبيد تُباع وتُشترى، تُهان وتُكرَّم، تُؤْسر وتُحَرَّر، هي مشاعر ليست بيدها القرار، ولا حُكم لها في نفسها ولا سلطة ولا امتنان. فعلا غريبة هي هذه المشاعر…! ولذلك نرى أن من جعل مشاعره المُتحكم الأول قبل عقله يكون حقيقةً مصيره بيد الطرف الآخر مهما كان هذا الآخر.

ولكن يا تُرى ما الذي يجب أن يقوم به صاحب هذه المشاعر لكي لا يتم التَّحكم به؟ وما هو العلاج الصحيح الذي يجب أن يَتَّبِعه؟ وهل هل حقا يريد هذا المُحب أن يتعالج من هذه المشاعر التي أصبحت سلبية في حقه؟ أم هو مستعد أن يتحمل الألم لقاء بقائه بجانب من يُحب حتى لا يفقد مشاعر الحب والحنان التي كانت له بامتياز ولم تكن لغيره؟ أم هي تهيؤات وأوهام هي في نَظرِها ونظر غيرها وفي نظره السعادة في وئام وأحلام؟! لا أدري لعل سؤالي هذا لا أحد يستطيع أن يقدم إجابته سوى صاحبه، لأني لا أرى سوى صاحبها كالمُدمن، من الصعوبة بمكان أن يتعالج من هذا الداء العُضال، ولكن ليس بمستحيل في نفس الوقت، فإذا تحمل إدمان هذه المشاعر وأراد البقاء أسيرا لها… فليبقى، وإذا لم يستطع قلبه الصبر على هذا الألم ويريد الحرية من الأسر… فليرحل، وله من الله بعدها حسن التدبير بعد اختيار الرحيل.

سؤال آخر راوَدَني… هل هذه المشاعر التي تولَّدت في قلب هذا الرجل المسكين هي مشاعر عَدائِيَّة رغم أنها كانت للحظات مشاعر مُسالمة؟ أم هي مشاعر خوف وصَلت إلى درجة الغليان مما جعله يخرج من طوره الطبيعي إلى مزاج دخيل عليه؟ فعلا هي مشاعر دخيلة ليست منه ولن تكون، فما انفك هذا الرجل المسكين بعد إطلاق فورانه حتى خمد بركانه واستعاد رشده، وهو على استعداد في تقديم الولاء والبراء لحبيبته مهما صدر منها ومهما سيكون.

فعلا… هي آلام مُدَوِّية، ينفجر فيها القلب من فورانه فتُغلي بها دماغه وتتشتَّت أفكاره، هي آلام أوجاعها غريبة ليس لها دماء تسيل، ولا عظام تُكسر، ولا عيون تُعمى، ومع هذا كله هي من أصعب الآلام وأشدُّها إبراحًا، وأدماها وأَفْظَعُها. في الكثير من المواقف تكون الكلمة أقوى بكثير من الأذى الجسدي، فالضرب الخارجي هو ضرب على قشور، أما الضرب الداخلي هو في صميم مكنونات قلب ولهان مَسْعور. فرحماك يا الله على قلوب عباد لا تطيق ما لا تتَّسع لها النفوس، ولا يتحمل حجم قلبها الصغير كبير آلام وهموم.



حول هذه القصة

لا تزال حالة ميلينا كانينغ الأسكتلندية البالغة من العمر 48 عاما تثير اهتمام الباحثين في علم النفس وعلم الأعصاب وعلم النفس العصبي وطب العيون العصبي.

12/9/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة