حتى أنت يا بروتوس!.. الخيانة من زوايا أخرى

الطعنة التي تم تصنيفها من أبشع الطعنات وأقبح عمليات الاغتيال في التاريخ، إنها لحظة اغتيال القيصر يوليوس.. كانت لحظة عصيبة وصعبة حين خانه كل من وثق بهم يوما واجتمعوا واتفقوا جميعا أن يقتلوه.. في ذلك الاجتماع انهال الكل عليه بالطعنات وقيصر ما زال واقفا لم يسقط رغم كل الطعنات في جسده.. حتى رأى صديق عمره بروتوس، مشى نحو صديقه وهو متخبط بدمائه وفي عينيه نظرة رجاء وارتياح معتقدا أن صديق عمره جاء لينقده، فقام بروتوس هو الأ خر بطعنه.. هنا قال قيصر جملته الشهيرة: حتى أنت يا بروتوس!.. وسقط القيصر ميتا. كانت طعنة بروتوس هي الطعنة القاتلة، بخلاف كل الطعنات الأخرى، لم يطعنه في جسده وإنما في شخصه، في إرادته وآماله.

"عندما أصابت الرصاصة قلبي لم أمت.. لكنني مت لما رأيت مطلقها"
– جبران خليل جبران.

إن الخيانة من أكبر الإشكاليات التي يحاول علم النفس دراستها وتحليل أسبابها، فالخيانة تصنف في خانة الآفات الاجتماعية المدمرة، إلا أن أسبابها وطرق معالجتها لازالت نظريات عامة فقط بالرغم من النقاشات والدراسات التي أقيمت حولها للتوصل لحل لها، غير أن تطبيق هاته الحلول يبقى رهينا بكون الخيانة نابعة من التركيبة الفردية للشخص وليست نتيجة لنمط عيش أو ظروف تربية، فتشخيص الخيانة لا يحتكم للمنطق أي عند وصع شخصين في بيئة متشابهة قد يتأثر أحدهم بها ويتغلب الأخر عليها ويفرض قناعاته الخاصة لتسيير رغباته. فما الذي يدعو الحبيب لإعطاء وعود كالورود سرعان ما تذبل  والصديق لنكران صديقه والضرب عرض الحائط في قدسية الصداقة، إن إشكالية الخيانة تضعنا أمام عدة تشعبات ضيقة للتفسير، فهل نلوم التزييف الرأسمالي للحقائق والحياة الذي يجعل الفرد يسعى للتفرد والنجاح ودهس كل من أمامه؟ أم أنها ضعف للشخصية أمام  جموح الرغبات وهل الخيانة دائما شيء سيء؟

معضلة القطار

دعونا أولا نتحدث عن الوجه الإيجابي للخيانة، فقد يخون الشخص شعورا منه أن الخيانة ضرورية من أجل تحقيق قدر أكبر من الخير، وخير مثال هو ما يعرف في علم النفس بمعضلة القطار: تخيل أنك تسوق قطارا ورأيت أمامك خمسة أشخاص يعملون في السكة، لا يسمعون صوت القطار القادم ولا تنفع تنبيهاتك لهم، النتيجة واضحة: سيصدمهم القطار وسيموتون، لكن لك القدرة على تغيير مسار القطار وسلك سكة أخرى فيها شخص واحد جالس، إن اخترت أن تدهس شخصا واحدا مقابل الخمسة أشخاص الأخرين فهنيئا لك أنت مناصر لفلسفة  النفعية لصاحبها جيريمي بندل التي تحدد مدى أخلاقية الفعل بمدى إيجابية نتائجه.

 

يرى بعض المختصين أن الخائن شخص سيكوباتي يتميز بعدم الشعور بالذنب ومراعاة شعور الأخرين، فالتحليل النفسي لشخص الخائن يضعه في مستويات عدة من الاحتياجات الباحثة عن الإشباع

وبالتالي فالأخلاق تخضع لميزان النتائج، الخيانة شيء محمود طالما سيعطي نتائج جيدة وإيجابية، من منظور فلسفة جيريمي بندل فبروتوس يظهر إنسانا طيبا خان القيصر لأنه اختار صف الثائرين على تغول القيصر، وغير بعيد في ثورات العالم العربي كثيرا ما نسمع عن انشقاقات وسط الجنود الذين يخونون القسم العسكري والطاعة على حساب الثورة. وإن اخترت أن تدهس الأشخاص الخمسة عوض تغيير السكة ودهس شخص واحد، فأنت تساند طرح الفيسلوف إيمانويل كانط، حسب فيلسوف الأخلاق كانط يتحدد معيار مدى أخلاقية الفعل بمدى رمزيته ولا يحق لأي أحد استباحة حياة الفرد ولو على سبيل المصلحة العامة، ويسمو الدافع الأخلاقي أكثر إن كان الشخص المعرض للخطر شخصا نحبه، أي أنه لا وجه مشرق للخيانة حسب رؤية كانط.

عندما تتغول الرغبة

يرى بعض المختصين أن الخائن شخص سيكوباتي  يتميز بعدم الشعور بالذنب ومراعاة شعور الأخرين، فالتحليل النفسي لشخص الخائن يضعه في مستويات عدة من الاحتياجات الباحثة عن الإشباع، هذه الاحتياجات تولد رغبات إما جسدية أو مشاعرية أو روحية تجعله ينتفض في السر بحثا عن الإشباع، لكن الرغبة في حالة الخائن ليست سوى سرابا ما إن يلحقه في شريكه الجديد حتى يتبخر ويحط في شخص أخر، فتصير حياة الخائن رحلة بحث بلا هوادة على حصان طروادة، إذ أن تغلب الطمع على الإنسان وسعيه لإشباع كل رغباته تبعده عن صحته النفسية وتجعله يدوس على كل القيم ويفوت ملذات النجاح والإنجاز والرقي، فلا وجود لإنسان قادر على إشباع احتياجات إنسان أخر بشكل كامل، الرغبة لا تحمل صفة الضرورة الحيوية ولا يعتمد بقاء الإنسان على إشباعها بل إن التغول في إشباعها يهدد هذا البقاء بنفسه، لكن الإنسان يرغب في أكثر مما يحتاج وحياته هي مغامرة كبرى لتخطي سياج الضروريات إلى فضاء الرغبات، إن الحاجة هي ضرورة بقاء أما الرغبة فهي ضرورة تميز وإن تغولت فهي سم يقتل.

الحب يجعلنا نتخيل ونلصق ما تخيلناه على حبيبنا المثالي، ونقع في حب خيال اختلقناه لأنفسنا، ولكن يبدو الحب مجالا خصبا للتخيل والعمى، فتقع الخيانة الكبرى!
 

خيانة الذات من أجل حبيب لن يأتِ

الحب هو الطريقة المثلى للوصول للجمال الكامل في عالم المثل لأفلاطون، فحسب أفلاطون الجمال هو رغبتنا الأولى وهو السبب في سقوطنا من سماء الأفكار الطاهرة لمستنقع الحواس، الحب أعمى بصيرتنا فجعل حبيبنا يتشح بثوب من الكمال والجمال المنفرد، لكن الوقت والتكرار كفيل بإزالة الغشاوة عن أعيننا ليرينا الحبيب بعيدا عن الكمال، حينها يبدأ الحب في الذبول وتنحسر رؤيتنا متراجعين خطوة للوراء محاولين فهمه كما هو في الحقيقة لا كما نحب أن نراه.

فالحب يجعلنا نتخيل ونلصق ما تخيلناه على حبيبنا المثالي، ونقع في حب خيال اختلقناه لأنفسنا، يبدو الحب مجالا خصبا للتخيل والعمى، فتقع الخيانة الكبرى.. خيانة عينيك وعقلك مقابل التخيلات التي رسمتها على الحبيب المثالي، يشاع في العالم العربي مثال قديم يقول "إن رأيت شيخي يزني فقل عيني التي تزني"، وفقا لهذا المثال يجب أن نخون أنفسنا في سبيل من نحب، لكن إلى متى ستستمر هاته الهالة المقدسة حول الحبيب؟  الجواب بسيط ففقط مع الوقت سيذوب الجليد ويظهر الحبيب في ثوبه العادي، وحدها العيوب قادرة على أن ترينا صدق مشاعرنا وصدق عاطفتنا، يقول محمود درويش "لا أريد من الحب سوى البداية"، الوقوع في الحب شيء سهل جدا ويمكن لأي شخص أن يقع في الحب لكن الصعب هو أن تحب وتستمر في حبك رغم رؤيتك لمدى كون حبيبك شخصا عاديا مثلك بعيوبه وسخافته في بعض الأحيان، فلا يكفي أن نحب بل أن نعرف كيف نحب لأن الحب فقط وبصفته شعورا يخضع لمنطق التقلبات لا يصح أن نبني عليه قرارات مصيرية.

الحب من زاوية أخرى ليس سوى لائحة من المتطلبات يبنيها العاشق سرا في خياله: شعر طويل، فتاة ناجحة، عيون زرقاء، شامة تحت الشفاه إلخ.. وأول فتاة توفي هاته المتطلبات أو بعضها.. يقع العاشق في حبها ويحلف ليل نهار أنها الحبيبة المثالية لكن هل سيدوم هذا الحب حين يرى فتاة أكثر استفاءا للائحة متطلباته أم أنه سيخون؟ هل الخيانة مرض نفسي أم رحلة بحث عن الكمال؟



حول هذه القصة

لم يكد لهيب نار الاحتجاجات يخبو قليلا في البصرة جنوب العراق حتى فاجأت كتلة “سائرون” التابعة للتيار الصدري الجميع بمطالبتها باستقالة العبادي “حليفها المفترض”، مما فتح باب الحديث عن صفقات.

10/9/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة