ما لا يأتي بالمقاطعة.. يأتي بمزيد من المقاطعة!

قررت شركة "سنطرال دانون"، بعد قرابة أربعة أشهر من بداية حملة المقاطعة، خفض سعر ثمن نصف لتر من الحليب ليصبح 3.20 درهم وإطلاق منتوج جديد في السوق بسعر 2.50 درهم، وبغض النظر عن اعتبار العرض الجديد لسنطرال انتصارا لحملة المقاطعة أم التفافا جديدا على مطالبها، وفي ذلك سيخوض معشر الفيسبوكيين طيلة الأيام المقبلة، فإنها فرصة لإعادة فراءة في مسار المقاطعة على ضوء ما استجد وبإعمال مبدأ مسافة إدراك الموضوع.

 

مسار طويل ذلك الذي قطعته حملة المقاطعة، وسيل من الحملات المضادة التي كان عليها مواجهتها، قبل أن تنصاع أخيرا شركة، من بين ثلاث، لخفض سعر منتوجاتها. تعرضت حملة المقاطعة التي يخوضها جزء من الشعب المغربي لعدة حملات مضادة من جهات مختلفة، كان هدفها إضعاف الحملة تارة وإخراجها عن سياقها تارة أخرى ومحاولة التأثير والتشويش عليها في مرات عديدة عن طريق التسفيه أو التخوين.

 

كان آخرها "عريضة الأربعين"، حينما قامت أربعون شخصية، بينهم أساتذة وحقوقيون وصحفيون ورجال أعمال وفاعلون سياسيون، بتوقيع عريضة يطالبون من خلالها الشعب المغربي تعليق مقاطعته لهذا المنتوج لمدة عشرة أسابيع قصد ترك الفرصة للشركة لتنفيذ وعودها. وحتى في حالة إعمال مبدأ حسن النية، فإن ذلك كان سوء تقدير غير محسوب، موقف خطأ في وقت خطأ تجاه أزمة أخطا هؤلاء المنادون خلالها عنوان المنادى. لذلك أعرض المغاربة عن هذه العريضة وعارضوها واستمروا في مقاطعتهم.

 

هي دعوة لباقي الشركات المنتجة للحليب والتي انتعشت طيلة هذه الفترة أن تتجه هي الأخرى إلى خفض أثمنة منتوجاتها، وهي دعوة كذلك لتحالف الماء والغاز لتجنيب الدولة مزيدا من الركود الاقتصادي

سبقت هذه الحملة حملات أخرى من نوع آخر باءت كلها بالفشل، كان ذلك حينما قوبلت الدعوة إلى المقاطعة في بدايتها بالتسفيه والتقليل من شأنها، تلتها بعد ذلك حملة السب والشتم والتخوين ثم أعقبتها ورقة التهديد والوعيد التي رفعتها الحكومة في وجه من وصفتهم أنهم يضرون بالاقتصاد الوطني، قبل أن يصطف أحد وزرائها بنفسه في صفوف المحتجين، إلى أن بدأوا بالاعتراف فيما بعد بنجاحها عبر بياناتهم ومسؤولي التواصل في شركاتهم.

 

كل هذه الخرجات كان لها مفعول عكسي، في كل مرة، وفي كل خرجة يزداد التفاف المغاربة حول المقاطعة، يزيد يقينهم بنجاحها ويزيد تشبتهم بها، لقد أحسوا أن لصوتهم قيمة، وأنهم قادرون على الضغط والتغيير، باكتشافهم آلية جديدة غير مكلّفة بعثرت حسابات كل الجهات، شركات وحكومة. لقد أراد العض أن يصور أن المقاطعة هي السبب في تدهور وضع الاقتصاد وتأزم وضعية الفلاحين، والحال أن المقاطعة نتيجة وليست سببا، نتيجة كشفت الأسباب الحقيقية وعرّت ضعف الدولة في تدبير الأزمات وهشاشتها واختراقها وهيمنة رؤوس الأموال على استقلالية قراراتها، لذلك نعود ونقول إن المقاطعة في جوهرها مقاطعة سياسية أيضا وبحمولة رمزية مشحونة بالرفض والسخط والاستياء من كل المؤسسات، بل هي في حد ذاتها تجاوز للمؤسسات وتعبير صريح عن فقدان الثقة فيها.

 

لقد ناشدوا الشعب وكأنه هو المسؤول عن إيجاد الحل لأزمة الغلاء، إن العريضة الحقيقية التي كانت ينبغي أن توقّع، هي عريضة مطالبة الشعب بالاستمرار في مقاطعته، وإن كان الشعب ليس في حاجة إلى عوارض لفعل ذلك، ولكنه في الوقت نفسه لا يحتاج إلى وصي عليه أو مرشد يرشده متى يبدأ المقاطعة أو متى يعلّقها وكيف ينهيها. من صنع سلاحه بيده لا يحتاج لمن يلقّنه كيفية استخدامه، وحين تنطلق المبادرة من الشعب فهو يعرف كيف يحميها ويدافع عنها.

 

هي دعوة لباقي الشركات المنتجة للحليب والتي انتعشت طيلة هذه الفترة أن تتجه هي الأخرى إلى خفض أثمنة منتوجاتها، وهي دعوة كذلك لتحالف الماء والغاز لتجنيب الدولة مزيدا من الركود الاقتصادي. لقد كان بالإمكان أن يراجعوا أسعار منتوجاتهم من البداية، بدل أن يضيّعوا الزمن الاقتصادي للبلد، وهي دعوة أيضا للشعب المغربي لمزيد من التوافق والالتفاف حول كل القضايا الكبرى لأن الضغط الشعبي دائما ما يقول كلمته، ولو بعد حين. أقول قولي وأستحضر قول إحدى الموقّعات قبل توقيعها على العريضة المعلومة: "ما لا يأتي بالمقاطعة.. يأتي بمزيد من المقاطعة".



حول هذه القصة

لا أحد يشك بأهمية فيتامين “د” وفوائده المتعددة، والتي من أهمها الحفاظ على صحة العظام. ولكن يجب الانتباه إلى أن تعاطي مكملات هذا الفيتامين دون حاجة له أخطار.

10/9/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة