قسوة الحياة.. أكثر ما يستحق منا الشكر!

blogs ألم

تقسو علينا الدروب، تضيق بنا مفترقاتُ الحياة، يشدُّ اليأس إزارَه علينا، تعصفُ بنا رياحُ المحن بين الحين والآخر، تمرُّ أوقات تضيق فيها الأرض علينا بما رحبت، تخور قوانا، تهبطُ معنوياتنا إلى أدنى مستوى، حتى نتمنى لو كنا في باطن الأرض وأن الحياةَ لم تسجلنا أبداً في دفترِ حضورها. وما إن نستجمع قوانا الخائرة، ونلم شملَ إيماننا وإرادتنا وقوتنا حتى نحمد الله ونقول بملء أفواهنا: شكراً.

شكراً لكل خيبةٍ منحتنا درساً لا ننساه.. شكراً لكلِّ إنسان أراد أن يهشِّمنا فقوّى بنا عزمنا وإصرارنا، ولقَّننا دروساً في البشر لا تُنسى. شكراً لكل من ظلمنا فقرَّبنا من الله، فطرقنا أبوابه بإلحاح ويقين فعوَّضنا، وأعطانا خيراً ورزقاً أكثر مما سألنا. شكراً لكلِّ الأصدقاء الذين خذلونا فعلَّمونا كيف نعرف معادن البشر، وننتقي منهم ما يصلحُ ليكون رفيقنا وجليسنا الصّالح. تعلَّمتُ في حياتي أن قيمةَ الأمورِ لا تُعرفُ إلا عبر أضدادها، فلن نقدر نعمة الصِّحةِ وقيمتها إذا لم يصيبنا المرض ونحس به يوماً. ولولا ولوج الناس السيئين دائرة حياتنا لما التقينا بالطيبين وعرفناهم وقدَّرناهم حقَّ تقدير.

أؤمن جداً أن الإنسان الذي تعرَّضَ للخيانة هو أكثر من يقدر الوفاء والأوفياء، والإنسان الذي نشأ في جوٍّ أسريٍّ مشحون، أو فقد أحد أفراد أسرته هو أكثر من يقدِّسُ الحياة الاسريةَ والعائلة، والإنسان الذي أحسَّ بالفقر وعانى منه أكثر من يشعر بمعاناةِ الفقراء ويساعدهم إن تحسَّنت أحواله، ففاقدُ الشيء أكثرُ من يعطيه بغزارة في كثير من الأحيان. لا أنكر ما يمر به الإنسان من نصبٍ وقهرٍ وعناء حتى يصل إلى مرحلة الرضى والعطاء هذه، ولكن الأشياء الجميلة لا تزهر وتخرج للنور إلا بعد مخاضٍ من الألم. فالأمُّ مثلاً لا تصبح أمّاً وتحسّ بالأمومةِ إلا بعد شهورٍ من الآلام والتعب الذي تنساه بمجرد رؤية طفلها بين يديها سليماً معافى.

إذا أردتَ أن تستشير فلا تخيب، وتنال الرأي السَّديد، فالجأ إلى أصحاب التجارب القاسية، ومن كانت أخطاؤهم أو ظروفهم معلمهم الأول، فالدرس الباهظ الثمن لا ينسى

التاجر الناجح لم يُخلق نجاحه من العدم، إنما فشل مراراً وحاول تكراراً وفي كل خسارة كان يتعلم قاعدةً من قواعد النجاح حتى تسلَّح بالقدر الكافي المتين الذي جعله فذَّ البصر والبصيرة في عمله. هكذا هي الحياة لا بدَّ من ضريبةٍ وثمنٍ لكلِّ نجاحٍ وشيء جميل، فكلما تعب الإنسان وبذل في سبيل هدفه كان في وصوله إليه لذة لا تضاهى، ورونقاً فريداً لا يوصف. شوكُ الوردِ لا يُنقصُ من جمالهِ شيئاً لكنه يجعلنا حذرين أثناء قطفه كما عقبات الحياةِ وصعابها لا تلغي جمالها ولا تغطّي لحظاتها السّعيدة، فلولاها ما فتحت أبوابُ الحكمةِ لأحد وما أوتي منها شيئاً. لولا ظلمةِ الشدائد ما كان عبق الفَرَجِ أصلحَ كل ما أُفسدَ في الروح، ووصل شذاه لبقاعها المهجورة المتعبة المستنزفة، وألقى عليها سكينةً ومسرَّةً تبلغُ منتهاها فدائماً هناك متَّسعٌ للفرح لمن يريد أن يراه ويبحث عنه. وكما قال الشاعر إيليا أبو ماضي:

أيها الشّاكي وما بك داء 
كن جميلاً ترَ الوجودَ جميلا

إذا أردتَ أن تستشير فلا تخيب، وتنال الرأي السَّديد، فالجأ إلى أصحاب التجارب القاسية، ومن كانت أخطاؤهم أو ظروفهم معلمهم الأول، فالدرس الباهظ الثمن لا ينسى، الدرس الذي أُخذ على سبورة الزمن بقلم تجاربٍ حبره الدموع والألم.. الدرس الذي قتلتنا به عقارب الوقت ولفحتنا رياح الضجر.. إنه درس ثبتت لدينا كلُّ براهينه وحفظناه عن ظهر قلبٍ بكل حذافيره. أحياناً تقسو الأم على أبنائها وتكلفهم واجبات يتذمرون منها؛ ليتعلموا وتصقل شخصياتهم ويكونوا متميزين، وكذلك تقسو الحياة على من تختارهم ليكونوا مثالاً يحتذى به في القوة والحكمة.

أذكر يوماً أن صديقة استشارتني في مشكلة، فنصحتها وقلت لها: طبِّقي كلامي دون أن تفكري به أدنى تفكير أو بعبارة أخرى "ابصمي عليه بالعشرة" فلا تتصوري كم صفعتني الحياة وما دفعتُ من ثمن لأصبح بهذه الخبرةِ وبعد النظر. نحن مدينون جداً لكلِّ شيء كان ظاهره سوءاً وباطنه خيراً ودرساً ولو تجلى ذلك بعد حين. فليس المهم ألا نتألم ولكن المهم من الألم ما نتعلم. المهم أن نجعل الألم محطةً وسكة وصول للأمل. ومن هنا أقول شكراً لمن أراد أن يضعفني يوماً فدفعني للأمام دهراً.. شكراً لمن خذلني وأوجعني فمنحني درساً قوّاني.