عندما دُقَّت أجراسُ مكَّة!

blogs الرياح ترفع أستار الكعبة

أجراس مكة! كيف يمكن لمكة أن تدقَّ أجراسها؟! وهل هناك أجراس في مكة؟! أفيها الكنائس والمعابد اليهودية والمسيحية أم ماذا؟! أليست مكة مسلمة وكل من فيها مسلم؟! نعم، لمكة أجراس تُدقُّ متى أراد لها ربَّها، ودَقَتُها ليست كدقِّ جرسِ الكنيسِ أو المعبد اليهودي أو غيره من المعابد الأخرى، هو جرس الرحمن، جرسٌ خلقه رب الأكوان، جرس يُدقُّ للنُّذر، للنُّذر من الآخرة، للنُّذر من أهوالٍ قريبة، هو جرسُ آية، آيةُ النّذير للبشر. في ليلة التاسع من ذي الحجة وبينما يلهوا الناس والمسلمون خاصة بالتحضير لعيدهم الكبير، هبطت رياح على مكة ومشاعر الحجاج والبيت الحرام، لعِبت بخيم الحجاج وجلبت الأمطار والبرق والرعد، جلبت الآيةَ حيث يأتيك الناس من كل فجٍّ عميق. لعبت الرياح بكسوة الكعبة فكان هذا الجرس.

دُقَّ الجرس، كشفت الرياح الهابطة وجه الكعبة الحقيقي، أظهرت الكعبة كما وُضعت في آخر عهدها حجراً حجرا. بناءٌ مكعب الشكل، رمادي اللون، بين فواصل حجارتها خطوط صفراء توضّح للعيان كلَّ حجر. مجدداً، دُقَّ الجرس، تذكرت الحديث الضعيف: (لئن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من يراق دم امرئ مسلم) الذي صِحَّته في الحديث الذي صحَّحه الألبانيّ رحمه الله: (لَزوال الدنيا أهون عند الله مِن قتل رَجل مُسلم)، ولكن الجرس دُقَّ رغم ضُعف الحديث الأول.

تمر أمة الإسلام في أوجه صعابها، فتن كالليل الأسود، ضُعفٌ وهوان ومذلَّة، فقدان لقادة وقيادة، علماءُ حقٍّ ولسانٌ حق، تقليب للأمور حتى يجيء الحق. الجرس آية، والرياح آية، فكيف للناظر إلى شكل الكعبة وهي من مرفوعة الستار عنوة لا اختياراً ألا يقرأ الأحداث بما يوحي بها الله؟!، فقد قال المعلّم ذات مرّة: اقرأ، اقرأ باسم ربك الذي خلق، اقرأ الأحداث باسم الله، اقرأها بما يوحي بها الله، اقرأها ولا تدع لأحد أن يلعب فيها غير قراءتك لها باسم الله. تكشف الرياح وجه الكعبة، ترفع الستار الذي يزن ذاك الوزن وكأنه ريشة، تماماً هنا الجرس دُقَّ، يرسل لنا صوتاً يقول لنا: بأن رغم كُثرِ الباطل وثُقلِ وزنه ومكانته فإنَّ الباطل لن يدوم، كالريشة في رياح الحق، سيذوب مع شدة سرعة الحق ووضوحه، سيتلاشى، سيمضي من غير رجعة، هذا الجرس، فماذا إذن؟

 

كأن الرياح تريد منا أن نخلع ستار الكعبة لما فيه من ظلم وفساد في وضعه، فاليمن يموت جوعاً، وأهل سوريا بعد أن جمَّعهم القتلة في إدلب يحضّرون لهم مأدبة قتل أخرى، ناهيك عن الذين يقبعون في غيابات السجون

(إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) سورة التوبة الآية 39. إذن النفير، النفير في وجه الظلم والطغيان، النفير في وجه الفساد والإفساد، ألا نقف مدّعين الضعف وعدم امتلاك زمام الأمور والتغيير وإلا سيكون العذاب والاستبدال هو الحل. ليقول قائل: "يعني بدك ثورة وربيع عربي مرة ثانية، بكفيش الدم والناس يلي انخرب بيوتها بدك أكثر من هيك خراب واستبدال؟". وهل من ربيع من غير خراب؟! ألا يستحق الأخضر أن ينبت بعد أن يُسقى بماءٍ منهمر؟! ألا تستحق الأرض أن تُروى بدماء أهلها ليحيا أهلَها؟!

الربيع العربي الذي مرَّ علينا كشف لنا ستائر مخفية، كشف لنا العيوب في الحكام، كشف لنا ضعف قرارات حكام العرب بين الأيادي الغربية وتبعيتهم الظاهرة لهم، كشف لنا سوء علماء الدين إلا من رحمهم ربي، كشف لنا وجه ظلم آل سعود ومن خلفهم، كشف لنا قُبح العرب بين أنفسهم، كشف لنا بُعد العرب عن الدين وحُب النَّفس للنَّفس، وكشف لنا الكره والنزاع والتفرقة المزروعة بين العرب، بعد أن كانوا في اجتماعاتهم الكبرى توحدهم القضية الفلسطينية، ولكن القدس تحتاج يداً واحدة لا يداً تتمزق عند أول مطب، وبعد أن قال لهم رسول الأمة: تآخوا في الله أخوين أخوين، فالحمد لله على ربيع كان وما زال يكشف لنا من العيوب ما يكشف.

الآيات التي يرسلها الله لنا كثيرة، قال تعالى: (…وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)، فكيف لنا أن نشاهد ذاك الستار وهو يُرفع كالريشة وبكل خفة كاشفاً وجه الكعبة، وكأن الرياح تريد منا أن نخلع ستار الكعبة لما فيه من ظلم وفساد في وضعه، فاليمن يموت جوعاً، وأهل سوريا بعد أن جمَّعهم القتلة في إدلب يحضّرون لهم مأدبة قتل أخرى، ناهيك عن الذين يقبعون في غيابات السجون والبلاد الغربية والعربية مشتتين في كل مكان لا ناصر لهم إلا الله. والعلماء، كل من حاول أن يوقظ العقول وأن يصيح بكلمة حق كان السجن له باباً وحراسه من يدعي خدمة الحرمين الشريفين، وبينما هو يدّعي الخدمة للحرمين الشريفين ينسى بأن للحرمين أخ ثالث اسمه المسجد الأقصى.

نقاوم الفساد بكافة أشكاله، نخلع رداء العبودية والتبعية، نرفض الذل والمهانة، نرفع شعار ثورة الحرية (الموت ولا المذلّة)، لا نخشى في الله لومة لائم
نقاوم الفساد بكافة أشكاله، نخلع رداء العبودية والتبعية، نرفض الذل والمهانة، نرفع شعار ثورة الحرية (الموت ولا المذلّة)، لا نخشى في الله لومة لائم
 

ليس الستار وحده آية قبله كان خسوف القمر، يقول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح والمتفق عليه: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة)، نعم، نُفزع إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة وحرف الجر هنا يفيد المعيّة أي المصاحبة، أي أنه يجب علينا أن نذكر الله تعالى ونصلي، نَتعلم ما علينا وما على الأمة وما يجب منا تجاه ديننا ودين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لا الصلاة فحسب، لا أن نصلي تاركين خلفنا آية من آيات الله وكأن شيئاً لم يكن. يُخسف القمر وتأتي الرياح على غير غفلة وستكسفُ الشمس ويموت العالم على أيدي الحكام الظلمة وتُرقّ الدماء وتُستباح المحرمات وتُنتهك الأعراض، سيموت الناس ظلما، وتُقتل الأطفال عمداً، سينتشرُ الفساد في الأرض بما كسبت أيدي الناس، يقول تعالى:( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

يفسر السيد قطب رحمه الله الآية فيقول: يكشف الله لهم عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم، وأن فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملؤها برا وبحرا بهذا الفساد، ويجعله مسيطرا على أقدارها، غالبا عليها فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتم عبثا، ولا يقع مصادفة، إنما هو تدبير الله وسنته ليذيقهم بعض الذي عملوا من الشر والفساد، حينما يكتوون بناره، ويتألمون لما يصيبهم منه لعلهم يرجعون فيعزمون على مقاومة الفساد، ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح وإلى المنهج القويم. نعم، أن نقاوم الفساد بكافة أشكاله، نخلع رداء العبودية والتبعية، نرفض الذل والمهانة، نرفع شعار ثورة الحرية (الموت ولا المذلّة)، لا نخشى في الله لومة لائم، يقول الله عزَّ وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ).

هي الآيات كثيرة، والكلام يكثر ويطول، وحدها الآيات تبين لنا أن الله معنا وأن علينا ألا نثق بأحد إلا برحمته، ففي القصة: عاد الملك المتواضع إلى قصره في ليلة شديدة البرودة ليجد عند البوابة أحد الحرّاس وقد كان مسننّا واقفاً بملابسَ رقيقة، اقترب منه الملك وسأله: ألا تشعر بالبرد يا عم؟! فأحسَّ الحارس بلحظةٍ واحدة أن باب الفرجِ قد فُتح ودعاءَ زوجته قد أستُجيب، فردَّ عليه: بلى والله، أشعر بالبرد يا صاحب الجلالة، لكنّي لا أملكُ لباساً دافئاً وعليَّ تحمل البرد، فقال له الملك: لا عليك، سأُرسل لك مع كبير الخدم ما يَسُرُّك، رقص قلبُ الرجلِ فرحاً بكرمِ الملك الذي دخل قصره فانشغل بأطفاله ونسيَ وعده، وفي الصباح وُجدَ الحارسُ ميتاً قرب البوابة وإلى جانبه ورقة كَتبَ عليها بخطٍّ مرتجف: سيدي الملك، كنت أتحملُ البرد كل ليلة صامداً لكنَّ وعدك لي بالدفء والسرور قد سلب مني قوَّتي وقتلني وأنساني دعائي الدائم: اللهم إني لا أثق إلا برحمتك.