الصومال رائدة الديمقراطية في إفريقيا

blogs الصومال

حصلت الصومال استقلالها من الاحتلال الإيطالي لجنوب الصومال والاحتلال البريطاني لشمال الصومال عام 1960م وفي الأول من يوليو عام 1960م تم الإعلان عن توحد شطري البلد شماله وجنوبه وإعلان الصومال دولة موحدة، وترأس السيد أدم عبدلي عثمان رئاسة جمهورية البلد ليقود الصومال نحو السلام والاستقرار والديمقراطية. وفي ذاك الحين كانت موجات الاستقلال تنتشر في أوساط معظم الدول الإفريقية حيث نالت الكثير من الدول الإفريقية استقلالها من الاستعمار في الخمسينات أو الستينات من القرن المنصرم.

إلا أن الاستعمار تمكن من تسليم السلطة لهذه الدول الإفريقية للمتحالفين معه من السياسيين حيث تمكن هؤلاء السياسيون من تبوء المقاعد العليا في القارة الإفريقية بعد استقلال هذه الدول وتمسك القادة الإفريقيون الجدد بمناصبهم ورفضوا التخلي عنها وإقامة الانتخابات الديمقراطية لبلادهم وسن سنن التحول الديمقراطي لبلدهم بل حولوا نفسهم إلى ديكتاتوريين يرفضون تسليم السلطة وما زال بعضهم إلى حد الآن يتربع على عرشي الكرسي لهذه البلاد.

إلا أن الصومال كان له رأي آخر وخاصة رئيسه آنذاك السيد آدم محمد عثمان عبدلي حيث أقيمت في الصومال الانتخابات الرئاسية في العام 1967م وتنافس على رئاسة الجمهورية الرئيس الحالي آنذاك أدم عبدلي ورئيس وزرائه السابق عبدالرشيد علي شرماركي وتمكن شرماكي من التفوق على آدم عبدلي فما كان من السيد أدم عثمان إلا أن يقبل بنتيجة الانتخابات ويقر بهزيمته ويصبح أول رئيس إفريقي يقوم بتسليم السلطة لخلفه دون اعتراضات وتزييف للانتخابات مما أدخله التاريخ بوصفه أول رئيس دولة في أفريقيا يقوم بتسليم السلطة سلميا إلى خلفه المنتخب ديمقراطيا ومما أعطى الصومال ميزة أن تكون أول ديمقراطية تنشأ في القارة الإفريقية ويتم تسليم السلطة فيها على أفضل طريقة وبرضا الجميع.

أدى هذا الانقلاب العسكري في الأخير إلى انهيار الحكومة الصومالية عام 1991م ونشوء الحروب الأهلية ودمار المؤسسات الحكومية في الصومال ودخول الصومال في آتون الحروب الأهلية

وأصبحت الديمقراطية الصومالية مثالا يحتذى بها في القارة الإفريقية حيث بدأت بعض الدول الإفريقية لاحقا الاقتداء بالديمقراطية الصومالية وتسليم السلطة على الطريقة الصومالية. وأصبح الرئيس الصومالي الراحل أدم عدي أسطورة خالدة في أذهان الأمة الصومالية لشجاعته وفكره القوي وأصالة ديمقراطيته وكونه أول رئيس في القارة الإفريقية يسلم السلطة بانتخابات وبطريقة ديمقراطية فاقت التوقعات والتخيلات وضرب مثالا قويا للقادة الأفارقة ولقادة العالم الثالث الذين يستعبدون البشر ويستميتون بالكرسي والحكم ولا يرضون بمغادرة الحكم إلا بالقوة والانقلاب أو الوفاة.

إلا أنه وللأسف الشديد لم تدم هذه الديمقراطية لزمن طويل حيث اغتيل الرئيس الصومالي عبد الرشيد على شرماركي في عام 1969م وتمكن قائد الجيش آنذاك السيد محمد سياد بري من الانقلاب على السلطة الشرعية في البلد وبدأ عهد جديد من الحكم العسكري للصومال استمر لأكثر من 20 عاما. وأدى هذا الانقلاب العسكري في الأخير إلى انهيار الحكومة الصومالية عام 1991م ونشوء الحروب الأهلية ودمار المؤسسات الحكومية في الصومال ودخول الصومال في آتون الحروب الأهلية وتشريد الآلاف من الصوماليين وتحول الصومال إلى دولة فاشلة في القرن الإفريقي.

لكن وفي العام 2000م وبمساعدة من أصدقاء الصومال وخاصة دولة جيبوتي الأخ الشقيق للصومال العزيز تمكنت من استضافة مؤتمر عرتا وتكوين حكومة صومالية بقيادة الرئيس الصومالي الأسبق عبد القاسم صلاد حسن من أجل استعادة الصومال لكرامته وإعادة الصومال إلى الوجه العالمي من جديد، لكنه ومع الأسف الشديد لم تتمكن حكومة عبد القاسم صلاد حسن من عمل الكثير من أجل الصومال، ولم يستطع عبد القاسم استكمال مدته على أفضل وجه ممكن.

واستضافت كينيا مؤتمرا جديدا في الدوريت في عام 2004م وانبثقت عنه إنشاء حكومة صومالية جديدة بقيادة الرئيس الصومالي الأسبق عبد الله يوسف أحمد وتمكنت حكومته في الدخول إلى القصر الجمهوري في مدينة مقديشو ومزاولة عملها من هناك وفي العام 2008م استقال العميد عبد الله يوسف من رئاسة الجمهورية بخطاب علني أمام البرلمان الصومال متمنيا للبلاد مزيدا من التقدم والازدهار وأشاد الكثير من الصوماليين بهذا القرار الشجاع من الرئيس عبد الله يوسف وعدم تمسكه بالسلطة كما معهود في القارة الإفريقية والعالم الثالث.

وفي العام 2009م وفي مؤتمر جيبوتي اختار البرلمان الصومالي شيخ شريف شيخ أحمد رئيسا جديدا للصومال وتمكنت حكومة شيخ شريف شيخ أحمد من إقامة أول انتخابات ديمقراطية في مدينة مقديشو في العام 2012 بعد انتهاء فترة ولايته منذ انهيار الحكومة المركزية الصومالية عام 1991م وفي هذه الانتخابات فاز السيد حسن شيخ محمود برئاسة جمهورية الصومال وتمكن من هزم شيخ شريف شيخ أحمد وبجو ديمقراطي رائع قبل الرئيس شيخ شريف شيخ أحمد بنتيجة الانتخابات وأقر بهزيمته أمام أنظار العالم كله وسلم شيخ شريف مقاليد الحكم لسلفه حسن شيخ محمود على أفضل طريقة ممكنة.

undefined

وفي الثامن من فبراير من العام السابق 2017 أجريت الانتخابات الرئاسية في الصومال وتنافس على رئاسة الجمهورية عدة مرشحين يتقدمهم الرئيس حسن شيخ محمود والرئيس السابق شيخ شريف شيخ أحمد والسيد محمد عبد الله فرماجو وبعد جولتين من الانتخابات فاز السيد محمد عبد الله فرماجو بمنصب رئيس الجمهورية وتمكن من هزم الرئيسين السابقين حسن شيخ محمود وشيخ شريف شيخ أحمد وأعلن السيد حسن شيخ محمود قبوله بنتيجة الانتخابات وإقراره بالهزيمة، وأعلن أيضا شيخ شريف بقبوله بنتيجة الانتخابات وفوز الرئيس محمد عبد الله فرماجو برئاسة الجمهورية.

وكان هذا اليوم يوما مشهودا على الساحة الإفريقية والعربية والدولية حيث انتشرت الصورة التي تجمع بين الرئيس الحالي محمد فرماجو وهو يتوسط الرئيس السابق حسن شيخ محمود والرئيس الأسبق شيخ شريف شيخ أحمد في جو من السعادة والفرح والبهجة التي سادت المشهد. وانتشرت التغريدات والتعليقات من بقاع العالم مشيدة بهذا المشهد الرائع والعرس الديمقراطي في الصومالي محتفية ومبتهجة بها. وانبهر العالم بالصورة الثلاثية لرئيس الصومالي المنتخب حديثا فرماجو والرئيس السابق حسن شيخ والرئيس الأسبق شيخ شريف وتهانيهم وضحكاتهم المتبادلة والابتهاج والاحتفال بالعرس الديمقراطي في قارة قلما وجد ثلاثة رؤساء يتصافحون ويتبادلون التهاني والتبريكان في مكان واحد.

وأقر المراقبون أنه قلما يحدث مثل هذا المشهد في القارة الإفريقية والعالم الثالث التي غالبا ما يفوز فيها الرئيس بـ 95 بالمائة أو يرفض تسليم السلطة في حالة خسارته وأن الصومال أبان عن الديمقراطية المتجذرة في العرف الصومالي وأنها كانت رائدة الديمقراطية في إفريقيا وما زالت متمسكة بها وأن الصومال مهما حدثت له النكسات والعراقيل فأنه لن يتنازل عن عرس الديمقراطية وأن العقلية الديكتاتورية لا محل لها من الإعراب في العرف السياسي الصومالي الديمقراطي.