خطوةٌ في التكنولوجيا.. خطوةٌ في الفناء البشري!

يأخذنا سحر التكنولوجيا، ويزيد انبهارنا بتطور الأجهزة الحديثة، ونسارع ونتباهى باقتناء الهواتف الذكية، لا يفوتنا أيضا تحميل التطبيقات الجديدة التي تجمع أطراف العالم كله! تجذبنا أيضا شاشة البلازما ذات الـ 65 بوصة، نتابعها بنهم، ونود لو أنها أكبر لتربطنا بالواقع. الواقع الحقيقي الذي نتجاهله أصلاً، الواقع الذي نهرب منه وجهاً لوجه لنتابعه في شاشات هواتفنا المصغرة أو في شاشات العرض الباهظة! 

في الوقت الذي تجتاحنا فيه التكنولوجيا كل يوم وبشكل متطور نسبيا، يراودني سؤال: هل سنصل حقا للوقت الذي نكتفي فيه من التواصل البشري وتكفينا ضغطة زر لإنجاز العمل اليومي من فوق الأريكة؟ هل سيداهمنا الوقت الذي تختفي فيه المشاعر البشرية المتبادلة كليا أو تتحول إلى صيغ رقمية يحتضنها جهاز كمبيوتر مصغّر؟ ولكن المخيف أكثر هو التفكير في أن التكنولوجيا قد تتغلب علينا كليا، قد تفوقنا ذكاءً وقد تسلب "مشاعرنا" أي ما يجعل الإنسان إنساناً بالدرجة الأولى!

كان لهذا التساؤل جوابا يفيد بأن: نعم، وكل ذلك ممكن! وهذا ما جسّده وتنبأ به الفيلم السينمائي"HER"، حيث تدور فكرة الفيلم على وجود أنظمة تشغيل يمكن لأي شخص امتلاكها على هيئة هاتف أو كمبيوتر مصغّر، ويتميز هذا النظام بكونه يمتلك جميع المشاعر الإنسانية: كالحب والكره والحزن والغيرة.. حيث يبدو الأمر وكأنك تحدث إنسانا آخر يفهم ما تقول ويستمع لأحاديثك ويناقشك ويعتذر ويمكن أن تكوّن معه علاقات الصداقة والحب.. نظام التشغيل هذا قد يغنيك عن العلاقات البشرية، بمعنى أنه قد يدمّر ما تبقى من فرص لاختلاطك بالناس، ولكن علته الوحيدة أنه لا يملك جسدا بشريا يجعله إنسانا متكاملا!

أنت تقلل من علاقاتك وتعود بذلك تدريجيا للإنسان البدائي الذي لا يعرف كيف يتحدث مع الآخرين، ونظرتك لأبعاد الزمان والمكان غير تلك التي عرفتها قبل المداهمة التقنية

لا شك بأن المراحل التكنولوجية التي نمر بها تمثل مقدارا للراحة وتوفيرا للجهد والوقت وعلامة مميزة ومؤشرا أساسيا في مقياس التطور، إلا أنها مخيفة جدا وتبشر بما هو أسوأ؛ فبالنظر إلى الجانب الآخر الذي خلّفه التقدم التقني نجد أنه نظر للإنسان بلغة المنطق التقني، كأنه بهيئته "كود" أو رمز يمكن حل شيفرته تقنيا، وذلك عن طريق التخلي عن انتمائه للطبيعة، ودمجه تلقائيا مع الآلات.. وهذا ما حدث وما يحدث كل يوم! فلماذا لا نقبل فكرة أن كل تقدم تكنولوجي هو تقدم آخر في رحلة فناء البشرية؟

أنت الآن تتنفس إشعاعات هاتفك مخلوطة بالأكسجين، لا تلتقط عيناك ضوء الشمس بقدر ما يضيء هاتفك طوال اليوم، جميع معارفك صاروا عبارة عن رموز في قائمة جهات اتصالك، ومن يدري ربما نسيت وجوههم حتى! الطفولة التي قضيتها في أحضان اللعب الفيزيائي الطبيعي لا تجدها في أطفالك لأنهم غارقين في الألعاب الإلكترونية، الكتب التي كنت تدمن رائحتها صارت جزءاً مصغرا لا يمكنك لمسه ولا ثني أوراقه، وانشغالك السابق في شيء تحبه صاراً انشغالاً باللاشيء أو إدماناً بقراءة التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي.

أنت تقلل من علاقاتك وتعود بذلك تدريجيا للإنسان البدائي الذي لا يعرف كيف يتحدث مع الآخرين، ونظرتك لأبعاد الزمان والمكان غير تلك التي عرفتها قبل المداهمة التقنية، وذلك يعني أن إعداداتك يمكن تغييرها تقنيا؛ فالعلم الحديث يدرس إمكانية نقل ذاكرتك البيولوجية إلى صيغ رقمية ونقل دماغك البشري إلى وسط ملائم للحياة القادمة، بمعنى أن العلم يريد تخليدك! ألا تلاحظ بأن تقدمك خطوة في التكنولوجيا يبعدك خطوة عن البشر؟! أنت مختنق بالعزلة رغم تواصلك "الرقمي" بالعالم، ودون أن تعرف! أنت آلة وجهاز في نظر التكنولوجيا الحديثة! وهذا يقودك حتما إلى التنصّل البشري الذي يجرّد الإنسان من نفسه وهو أيضا فناءٌ بشري، فلماذا تفنى قبل فنائك؟

لماذا تسهل عملية تحولك إلى صيغة منطقية معقدة بلغة 0،1؟ ثم هل يمكن أن يتغلب الذكاء الاصطناعي على ذكاءك يوماً؟ من يعرف؟! ولكن ما تعرفه أنه لا يمكن أبدا للإشعاعات الرقمية أن تنقل لك الصورة الطبيعية لوجوه أحبائك، لا يمكن أبدا أن تغنيك مجموعة "واتساب" عائلية عن التفاف بشري حقيقي، ولا يمكن حتى أن تغنيك مصادقة هاتف عن مصادقة إنسان! مع أن العالم يتغير بصورة سريعة، ولكنك لن تكون خالدا، والموت لن يهزمه العلم الحديث! حافظ على اتزانك، لا تفوّت متعة النظر وتحولها إلى مجرد صورة مخزنة، لا تتوه في عالم الأرقام أكثر.. حاول أن لا تسحبك الموجة، وأن لا تُغرق الكيمياء البشرية في وحل العزلة الإلكترونية، كن إنساناً فقط!



حول هذه القصة

فازت الأميركية المسلمة من أصول فلسطينية، رشيدة طليب، الأربعاء بالانتخابات التمهيدية التي تخولها الترشح لعضوية الكونغرس الأميركي عن الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغن.

8/8/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة