بإرادتي أتحدى إعاقتي.. نحن المعاقين نحييكم!

لا يخفى اليوم أن سوريا بملايينها باتت بين: شهيد وجريح وشريد ومفقود. لكن ما قد يخفى حقيقةً الأرقام في كلٍّ من تلكم الجراح؛ فكم شهيداً تم إحصاؤهم؟ وكم مفقوداً؟ وكم مصاباً؟ وكم لاجئاً ونازحاً؟ ولعل من أشدَّ الأرقام خفاءً وأكثرَ الجراح إيلاماً على خفائها: مصابو الحرب، أو المعاقون كما يسمّونهم؛ فالتقديرات الأممية تتحدث عن ٢ مليون معاق!

نعم؛ 2 مليون يا سادة، بمجموعٍ يوازي عدد بعض الدول العربية مجتمعةً. في زيارةٍ للمركز الوحيد المتميز في رعاية المعاقين جنوب تركيا تمرّ بحالات لعل أهونها – وكلها عظيمة- ما تنهمر لها العين ويتفطر لها الفؤاد. فهل نتحدث عن فيصل ابن ريف حمص الذي كان يمتطي الجواد فسابق الريح، ويتقحّم الأهوال، فقذفت به طائرات الأسد في تركيا، لكن جثة هامدة، لا نظر فيها ولا شمّ ولا تذوّق فالحواس كلها تعطّلت، مع كسور في كل جسمه!

أم عن آلاء تلك الطفلة التي يسمونها المعجزة؛ نعم معجزة الطب التي لم يتوقعوا يوماً أن تمشي، فتنظر ضحكتها وهي تمشي فتخال الدنيا كلها تضحك معها؛ كأنها تقول: قد مشيتُ قد مشيتُ؛ سأعود كالصغيرات أمثالي أمشي وألعب، دون أن تعرف أن بينها وبين تمام العافية والمشي مراحل ومراحل! عن تلك العروس التي زُفت إلى عريسها، فقطع عليها إجرام الأسد الطريق، فانتهى بها موكب العرس في مركز العلاج الفيزيائي لفقدها بصرها وطرفَيها!

كيف يقهر فيصل إعاقته فيحظى رغم كل ما فقده من حواس بعروس ليبني بيتاً سعيداً وتجتمع له أكثر المنطقة من سوريين وأتراك في زفافه!

عن ذلك الشاب الأكاديمي الخلوق يصوّره صديقه فيطلب منه ألا يُظهر قدمَيه المبتورتَين؛ لأنه سيرسل الصورة إلى أمه التي لا تعرف إصابته وأنه فقدَ قدمَيه وهي تطرق البيوت تبحث له عن عروس! عن ذلكم الأب الذي يجاهد رغم إعاقته يجمع البلاستيك يبيعه ليُطعم أولاده الأحد عشر وزوجته التي صبرت وصمدت معه في كوخ من صفيح يضاعف عليهم حرارة الصيف وبرد الشتاء!

عن زيدٍ الذي بارك له بشار المجرم زفافه فرماه بقذيفةٍ أطارت قدمَيه في الأسبوع الأول من زفافه، فيحلف على عروسه أن تتركه وتذهب إلى أهلها لعل الله يُفرحها بعريسٍ يُسعدها؛ فتأبى إلا البقاء معه على إعاقته وفاقته، وهي في زهرة شبابها، تحمله كالطفل تطعمه وتغسله؛ فهي له أمّ وزوجة!

عن عبد الرحيم الذي نسي – وهو يسمع حديث فيصل – أنه لا يقوى على المشي ويتحرك على كرسي المعاق، ويعجز عن تحريك يديه؛ فيصرخ باكياً لهول ما يسمعه من فيصل وآلامه وكأنه معافى تمام العافية! ليست روايات خيالية؛ بل بعض ما قويت على مشاهدته وسماع قصصه في مركز العلاج الفيزيائي. لكنني أقرّ أنني ضعيف فقد رجوت د. فايز أن يتوقف عن استعراض قصصهم وآلامهم، وبتّ بعدها أحاول النوم فلا أجده.

أغفو فأرى أنني فيصل! أنظر في زوجتي بجانبي جميلةً سليمةً فأراها التي فقدت بصرها وطرفيها! أرى ابنتي الصغيرة تقلب البيت رأساً على عقب فتُسرع لمخيلتي صورة الفتاة المعجزة وقد عجز الأطباء عن مداواتها فصرخ بهم القدر فمشت وصرخت فرحاً! وأرى عبد الرحيم على كرسيه يقوده والده ليس فيه إلا رأسه يتحرك وأنا أرى أولادي يلعبون وأسبّهم لفرط حركتهم!

على قَدْر إحساسك بآلام المتألمين تترقى في مدارج الإنسانية، ومَن حُرم النظر في معاناتهم والقيام بأي شيءٍ تجاههم فهو المحروم؛ وليراجع نفسه وإنسانيته فقد يُشطب من قيد الإنسانية وهو لا يشعر!
 

ما هذه الآلام؟ هل هي بعض عقوبة من الله على غفلتي عن هؤلاء؟ هل هي عصا هوت بها الأقدار على رأسي لأتنبّه أنه لولا لطف الله لكنت أنا أو زوجتي أو أبنائي مكانهم فأحمد الله على العافية وأشكره بخدمة هؤلاء الصابرين، فإن عجزت فأضعف الإيمان وأقل الإحساس أن أنقل معاناتهم؛ لعل الزمان يجود بمن يقوم بهم!

تكاد الإعاقة تصيب الـمـُشاهد وهو يرى كيف قهر هؤلاء إعاقتهم؛ كيف يجاهد الأب المعاق فيعمل ليعيل أسرته، كيف تقوم في بيتها سيدةً عظيمةً مع إعاقتها، كيف يُقبلون على التدريب المهني ليفتتحوا محلات صيانة هواتف وحواسيب يتعيشون منها، كيف يُقبلن مع إعاقتهنّ على تعلم الحرف اليدوية والأشغال ليصنعن دليل براءتهنّ من الإعاقة يَبعْنه للمعافين السليمين يرددون: بإرادتي أغلب إعاقتي. كيف يقهر فيصل إعاقته فيحظى رغم كل ما فقده من حواس بعروس ليبني بيتاً سعيداً تجتمع له أكثر المنطقة من سوريين وأتراك في زفافه، كيف تجد مَن فقدت بصرها زوجاً صالحاً يصرّ أن تبقى معه فيقومان للطبخ تقدّر هي له المقادير وهي يطبخها فيأكلان من صنع يديها لكن بيدَيه ونظره!

لا تدري تضحك أم تبكي وهم يستقبلون بعضهم، فيعرف الكفيف منهم أصحابه ويسلّم عليهم بأسمائهم يعرفهم من أصواتهم، ويحتضنون مقطوع اليدين وهم يسلّمون عليه؛ بعضُهم بيدٍ واحدةٍ لأن الأخرى مقطوعة، وبعضهم يكاد يهوي به لأنه كفيف لكنه يصرّ أن يعانقه! يهلّلون لنا: نحن المعاقين نحييكم فنقول في أنفسنا: إنّا لَنخاف حقّاً أن نكون نحن المعاقين! قد عافاك الله وأهلَك وأولادَك، لكنه ابتلى غيرك في نفسه أو زوجه أو ولده؛ فليس أقل من النظر في آلامهم شكراً لله على العافية، وعلى قَدْر إحساسك بآلام المتألمين تترقى في مدارج الإنسانية، ومَن حُرم النظر في معاناتهم والقيام بأي شيءٍ تجاههم فهو المحروم؛ وليراجع نفسه وإنسانيته فقد يُشطب من قيد الإنسانية وهو لا يشعر!



حول هذه القصة

ذكر موقع “ميدل إيست آي” أن حكومة ماليزيا المنتخبة حديثا أغلقت مركز مكافحة الإرهاب المدعوم من السعودية، الذي أنشئ في عهد رئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب عبد الرزاق.

8/8/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة