شعار قسم مدونات

الإنسان بين الحرية والحتمية

blogs-حرية

الإنسان كائن عاقل متميز عن باقي كائنات هذه المعمورة، وما يؤكد ذلك تطلعه للبحث عن مجموعة من الحقائق التي حيرته مند قرون ولعل من بينها تضارب مفهومي الحرية والحتمية الإنسانية. حيث نجد اختلافاً لوجهات النظر بين الناس في هذا الموضوع باختلاف تطلعاتهم ومستويات فهمهم، رغم وحدة المنطلق أحياناً. سنحاول في هذا الموضوع تغطية مفهوم الحرية من عدة جوانب.

1- من منظور علمي:

أ‌- في علوم المخ والأعصاب:

يصف لنا عالم المخ والأعصاب راماشندران، حالة غريبة لإحدى مريضات متلازمة المخ المنقسم حين أحضرها أهلها عنده، أخبروه بأنها في بعض الأحيان تمد يدها اليسرى إلى عنقها محاولة أن تخنق نفسها بينما اليد اليمنى تمتد لتمنع اليسرى من ارتكاب الجريمة. يعلق راما على هذه الحالة بأن لهذه المرأة إرادتين، إحداهما مرتبطة بالنصف الأيمن للمخ والذي يريد الانتحار، والأخرى بالنصف الأيسر للمخ والذي يريد الحياة. فما تكشفه لنا هذه التجربة ليس إلا حواراً داخلياً يدور في أدمغتنا جميعاً، حيث أن أحد نصفي المخ يتعامل مع المشكلة ويرجح قراراً ما بناءً على تخصصه وما يحتويه من معلومات. أما النصف الآخر فيتعامل مع مهام أخرى ويختزن معلومات أخرى، قد يختار قراراً معاكساً فيرجح المخ بين القرارين ويتبنى الأنسب. بينما في حالات المخ المنقسم لا يكون ذلك الترجيح متاحاً فيعمل كل نصف على حدة ثم يظهر ما توصل إليه.

ب‌- في علم البيولوجيا:

ينظر الدين للحرية الإنسانية بمثابة الأمانة التي عرضت على الإنسان واستحق بها خلافة الله تعالى في الأرض فهي منظومة عقائدية يبنى عليها الاختيار بين فعل وترك يليه حساب في الدارين

عندما توصل جيمس واطسون وفرانسيس كريك إلى بنية وطريقة أداء جزيء DNA ودوره في نشاط الخلية، اعتبر العلماء أن DNA جزئاً محورياً يتحكم في بيولوجيا الخلية وفي صفاتنا البنائية، وتوسعت النظرة بعد ذلك إلى أن DNA يتحكم في سلوكياتنا وانفعالاتنا، وساد الاعتقاد بأن مخ الخلية يتجلى في نواتها. لكن بمجيء علم البيولوجيا الحديث تلاشت هذه النظرة، فحين تحرم الخلية من نواتها معملياً فإن كل نشاطاتها تستمر لأكثر من شهراً دون النواة، بذلك أثبت العلم الحديث أن دور النواة تناسلي فقط أما مخ النواة فيتجلى في غشائها الخارجي الذي يحيط بها. إنه الغشاء الأعجوبة فهو مزود بمستقبلات كقرون استشعار لتدرك الخلية ذاتها وخارجها ومزود كذلك بمستجيبات تتلقى التعليمات من المستقبلات لتسمح بمرور مواد وتمنع مزود مواد أخرى داخل وخارج الخلية في تناسق دقيق. يمكن تشبيه طريقة عمل هذا الغشاء برقائق الكمبيوتر التي تتم برمجتها وبذلك نرى الحكمة الإلهية من جعل غشاء الخلية في غشائها الخارجي وليس في نواتها، من أجل تحريرنا من أسر جيناتنا ومن أجل القدرة على برمجة خلايانا بناءً على المعطيات البيئية المحيطة وكذلك الحالة النفسية والروحية لنكون سادات مصائرنا وليس أسرى جيناتنا.

ج- في علم النفس:
يرى د ماسلو رونجر كأحد منظري المذهب الإنساني أن السلوك الإنساني ليس كله حتمياً بل إن جزئاً من هذا السلوك توجهه الإرادة الحرة كما يرى أنصار هذا المذهب أن الإرادة الإنسانية شيء ضروري لنكون بشراً. ليس بعيداً عن ذلك يرى أنصار الفرويدية الحديثة كاريك فروم أن للإنسان القدرة على التحكم في حياته وتوجيهها وأن من يتبعون الحتمية فهم يتنازلون عن حريتهم بمحض إرادتهم.

2- في المنظور الديني:
ينظر الدين للحرية الإنسانية بمثابة الأمانة التي عرضت على الإنسان واستحق بها خلافة الله تعالى في الأرض فهي منظومة عقائدية يبنى عليها الاختيار بين فعل وترك يليه حساب في الدارين. ويحمل كتاب الله تعالى العديد من الآيات الكريمات التي تؤكد هذا. مفهوم الحرية لدى الإنسان كقوله تعالى: ومن يرد ثواب الدنيا نوته منها ومن يرد ثواب الآخرة نوته منها وسنجزي الشاكرين، وفي سورة الكهف أيضاً " فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" تؤكد الآيات الكريمات أن ذواتنا هي مصدر أفعالنا وأن لنا إرادة مختارة ولسنا مجبرين. لكن قد يقع الإنسان في لبس عند تلاوته لآيات قرآنية توحي بالجبر كقوله تعالى: "وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ"، فتعني هذه الآية أن كافة الناس مسلمين أو كفاراً طائعين أو عصاة فهم خاضعين لقوانين إلهية وضعها الله تعالى لتسيير هذا الكون ويقول تعالى في سورة القصص: "وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ"، يتعلق نفي الخيرة عن البشر في هذه الآية بالخيرة في الخلق فنحن لا نختار جنسناً أو لون بشرتنا أو طول قامتنا. ومن اجل فهم النص الشرعي على حقيقته وجب وضعه جانب نصوص أخرى ليكتمل المعنى

الدليل الأخلاقي: يتعارض مفهوم الجبر مع المسؤولية الأخلاقية للإنسان فالالتزام الأخلاقي والقيام بالواجب مفاهيم متغلغلة في الوعي الإنساني، تعكس مدى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وبها تكمل إنسانيته ويتجلى تميزه عن باقي الكائنات، وتسقط هذه المسؤوليات عن المجانين والأطفال لأنهم مسلوبو الإرادة حيث يتصفون تبعاً لدوافع داخلية وخارجية. والخلاصة أن الإنسان كائن متميز بالإرادة وهي ما يمنحه صبغة الخليفة في الأرض وتحمله المسؤولية الأخلاقية وتلزمه احترام القوانين التي تحافظ على كونه مدنياً وحضارياً. وحاشى من خلقنا أن يحاسبنا على أشياء لا نطيقها وليس لنا فيها اختيار وأرى أن بعضاً من المتعصبين لمفهوم الحتمية لا يتشبثون بها إلا تملصاً. من مسؤولياتهم الأخلاقية.