ابحث عن النور في عمق الظلام!

blogs تأمل

منذ أن خلق الإنسان إلى غاية بلوغه سن الرشد، تتولد لديه شعلة من الطموح والرغبة في النجاح وتحقيق الأمنيات، فلا حياة من دون طموح ولا بقاء للدنيا من غير أهداف نبيلة وغايات سامية بغض النظر عن المستوى المقبول والأوضاع المثالية، فإن مسيرة المرء في هذا العالم أيضاً مليئة بالمفاجئات والإخفاقات وخيبات الأمل الأليمة، ما أجمل أن يكون لك هدف في هذه الحياة، ربما يعترضك الفشل في بداية الطريق لكن بعد كل هذا الظلام سيأتي النور ويشرق الوجود فقط بالعزيمة والصبر والإرادة الفولاذية، يقول الدكتور والأستاذ الفلسطيني أحمد غزوانة "لقد فشلت عشرات المرات وما زلت أفشل كثيراً من الأحيان، سوف يسخرون منك، يستهزئون بك، يعاقبونك، لا تصغي إليهم أبداً، لأن فشلك الحقيقي هو عندما تتوقف عن المحاولة بسببهم".

لذلك يجب على الإنسان أن لا يستسلم للفشل ولا يرضخ للعقبات، لأن الفشل هو الجسر الذي يؤدي بك إلى المجد أو بالأحرى هو عبارة عن مجموعة تجارب تسبق مرحلة النجاح، والسبيل الوحيد للوصول نحو التفوق والرقي، هو التحدي والإرادة القوية التي تعتبر بمثابة دواء فعال لكل أشكال اليأس والإحباط والقنوط فهي تقوم بتفجير الطاقة الداخلية للإنسان وتزيدها أضعافاً مضاعفة، فالإرادة القوية من صفات الكبار، ذلك من خلال التحلي بالصبر والقدرة على تحمل الأذى وتجاوز الأزمات وتخطي الدروب الشاقة والتصدي لكل أشكال الضعف والانهيار النفسي من أجل الوصول إلى الهدف المنشود وتحقيق المراد المأمول.

 

الإبداع يحتاج إلى فشل وتعثر وإخفاق في العديد من المرات حتى تشعر بقمة السعادة وتغمرك الفرحة عندما تحقق ذلك الشيء الذي كنت تسعى وتكافح وتناضل من أجله

فالإرادة هي سلاحك الوحيد الذي يمكنك من القضاء على التشاؤم في هذه الدنيا وتستطيع بذلك الإستمرار دوماً في التقدم إلى الأمام بالقوة والعزيمة التي تعد بمثابة أوكسجين الحياة، فأنت جئت إلى هذا العالم بإرادة الخالق عز وجل وجعلك مختلف عن باقي البشر ومتميز عنهم، كما يقول الأستاذ هادي المدرسي في كتابه (كيف تكسب قوة الشخصية) "أنت ولدت بإرادة خاصة من الله تعالى وقد أرادك شخصاً فريداً، لا نسخة مكررة عن الآخرين".

فالإبداع يحتاج إلى فشل وتعثر وإخفاق في العديد من المرات حتى تشعر بقمة السعادة وتغمرك الفرحة عندما تحقق ذلك الشيء الذي كنت تسعى وتكافح وتناضل من أجله، يجب علينا أن نبقى نجرب ونحاول ونصبر ونثابر، لكي نصل إلى أهدافنا، قد لا يكون الخطأ في الفكرة التي بحوزتنا ولكن ربما العيب في الأسلوب الذي نتبعه والطريقة التي ننتهجها لذلك علينا البحث عن مكان وجود الخلل ومحاولة تصحيحه بكل عزمٍ وإرادة، وفي نفس الوقت وهذا هو الأكثر أهمية أن يكون الإنسان لديه قبول لفكرة الفشل لأن الأخير لو تعرض له المرء ليس معناه نهاية العالم أو أن الأمل قد اضمحل ولن يعود ثانيةً، بل إن وهج الأمل يجب أن لا يختفي أبداً من حياتنا لأن الحياة لا تتوقف بسبب خيبات الأمل فالوقت لا يتوقف عندما تتعطل الساعة هذه قاعدة ذهبية علينا أن نرسخها في عقولنا دوماً.

أبهرني ذات يوم كلام تحفيزي لطالبة فلسطينية من الجامعة الإسلامية في غزة أثناء محاضرة للأستاذ اللامع محسن الإفرنجي، حيث قدمت فقرة إعلامية بعنوان "حقق أحلامك" وتكلمت فيها عن الإرادة والعزيمة وقوة الثقة بالنفس، وذلك بقولها (تريد أن تكون ولكن، المكان، الزمان، الظروف، الثقة بالنفس، الأمل، لا تلقي باللوم على من حولك، لا تستسلم للفشل، آمن بذاتك، آمن بقدراتك، أخرج من أعماقك قرر التغيير، إبدا بنفسك أولاً، أنت تستطيع، يمكنك فعل ذلك، الدوافع والطموح، الفعل والتوكل، التخيل والرؤية، الاستمرارية، آن الأوان لقهر الخوف، آن الأوان لتحمل المسؤولية، آن الأوان لعمارة الأرض، آن الأوان للتغيير الحقيقي، آن الأوان ليغدو الحلم حقيقة).

لذلك لا تكثر من الشكوى ولا تختلق الأعذار، انهض من كبوتك، تسلح بالعزيمة والإصرار ولا تنظر الى الدنيا بمنظار التشاؤم وكن على استعداد دائم لاجتياز المنعرجات القاسية في الحياة وعبور الأخطار واقتحام الصعاب من أجل تحقيق أهدافك، لأنه في الحياة لا حدود للأحلام ولا سقف للأمنيات فقط تعرف على أسباب فشلك حتى تستطيع أن تفهم كيف تنجح، ويجب على رغبتك في النجاح أن تفوق خوفك من الفشل، وليس عيب إذا فشل الإنسان، المهم ألا يبقى عاجزاً عند موضع فشله، مثلما أكد الملاكم الأسطوري الراحل محمد علي كلاي الذي نطق لسانه بالحكمة حيث يقول: (في داخل الحلبة كما في خارجها لا عيب في أن تسقط أرضاً، بل العيب في أن تبقى على الأرض)، إبدا الآن خطط لمشروع نجاحك، توكل على الله، ثق بنفسك، آمن بقدراتك، أعقد النية، قم وشمر عن ساعديك، تحلى بالأخلاق الحميدة الفاضلة والضمير المهني الصادق، وعليك بإتقان العمل وحب الخير للناس، والاستفادة من تجارب الآخرين.

أول درس في الإرادة القوية الحقيقية تركه لنا ولأجدادنا ولأمتنا منذ أكثر من 14 قرناً حبيبنا ومعلمنا وقدوتنا، الرسول الكريم عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، إن قوة الإرادة من أهم وأبرز الصفات التي كانت واضحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه يحبها ويحب أن يراها في أصحابه – رضوان الله عليهم – فهي تعبر عن الإيمان بالمبدأ والإصرار على العمل المتواصل، إرادته القوية صلى الله عليه وسلم وهو يبشر بأعظم مهمة في حياته كلها وهي تبليغ الرسالة ودعوته للدين الإسلامي وإعلاء كلمة الحق.

 

هناك مارد بداخلنا علينا أن نطلق له العنان، إن الحياة مليئة بالمعارك والمنافسات، لهذا يجب أن تكون لديك الروح الرياضية في كل محطاتها ولا تغضب عند الخسارة ولا تمل من تكرار المحاولة
هناك مارد بداخلنا علينا أن نطلق له العنان، إن الحياة مليئة بالمعارك والمنافسات، لهذا يجب أن تكون لديك الروح الرياضية في كل محطاتها ولا تغضب عند الخسارة ولا تمل من تكرار المحاولة
 

وخير مثال في إرادة الشعوب ما فعله اليابانيون في بلادهم حيث يأكد ذلك الإعلامي الرائع وصاحب برنامج خواطر الأستاذ أحمد الشقيري في كتابه الثالث خواطر من اليابان، حيث قال: (هل تعلم أن اليابان ليس لديها أي موارد طبيعية، وأنها تتعرض لمئات الزلازل سنوياً ولم يمنعها ذلك من أن تصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفي هذا درس عظيم أنه بالعزيمة والاجتهاد تتغلب الدول على كل الصعوبات)، وقال أيضاً: (هل تعلم أن هيروشيما عادت إلى ما كانت عليه اقتصادياً قبل سقوط القنبلة النووية خلال عشر سنوات فقط).

وهناك أمثلة عديدة في فن الإرادة والعزيمة نلمسها حين نقرأ في سير الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار الذين رفعوا راية التحدي في وجه الكفار وكرسوا حياتهم للفتوحات الإسلامية ونشر الدين الحنيف فنجحوا في التصدي والقضاء على الروم والفرس وكل أعداء الإسلام لذلك يجب أن نأخذ العبرة عن أسلافنا وأنه لا شيء مستحيل مع الإرادة التي تجعلنا نتغلب على مفاجئات الحياة، كلنا نملك قدرات ذاتية لكنها خامدة ولا نستغلها بشكل مثالي ونجعلها طاقة إيجابية لصالحنا، فأصحاب الإنجازات العظيمة هم مجرد أناس عاديين من عامة البشر، فقط عرفوا كيف يستغلوا المواقف واستثمروا مواهبهم، وبحثوا عن النور في عمق الظلام وتسلحوا بعزيمة من حديد.

ومن هذا المنطلق يأكد الكاتب الأمريكي أنتوني روبينز بقوله المأثور (أيقظ قواك الخفية) ليبين لنا أن هناك مارد بداخلنا علينا أن نطلق له العنان، إن الحياة مليئة بالمعارك والمنافسات، لهذا يجب أن تكون لديك الروح الرياضية في كل محطاتها ولا تغضب عند الخسارة ولا تمل من تكرار المحاولة حتى تحقق النجاح، ابقى دائماً متفاءل بغد أفضل ولا تنسى أبداً أن التوفيق من الله عز وجل.