ما الذي يخبرنا به "بريكن باد" عن الأسرة والرأسمالية؟

إن المسلسل الأمريكي بريكن باد برأي النقاد والمشاهدين واحد من أفضل المسلسلات التلفزيونية في التاريخ، إذ لاقى المسلسل ولا زال يلاقي شهرة كبيرة بين محبي المسلسلات رغم مرور خمس سنوات على عرض أخر حلقة منه، فبفضل حبكته الدرامية الباهرة لفينيس غليغان والأداء الرهيب للممثل الرئيسي براين كرانستون في دور والتر وايت ومساعده أرون بول في دور جيسي بينكمان استطاع المسلسل أن يتربع على عرش تصنيفات المسلسلات بمعدل 9.5 على imdb، غير أن بريكن باد أكثر من مجرد مسلسل حول رجل بسيط يقتحم عالم الإجرام.

 

فبريكن باد في صميمه عرض حول العائلة وأهميتها ونقد لوحشية الرأسمالية فإن كان مفهوم العائلة يقتضي على أفرادها تبادل مشاعر الود والحب فيما بينهم والوصول إلى القوة المتمثلة في قدرة أفرادها على اتخاد القرارات فالمسلسل يتعمق في دور الأسرة والحمل الثقيل الذي تمتله لكل فرد في المسلسل، كل شخصية من شخصيات المسلسل كانت تصارع من أجل عائلتها ويتمحور دورها حول العائلة: إيميليو وكرايزي إيت كانا أبناء عمومة، عائلة سلامانكا عبارة عن أسرة متماسكة ومتورطة في المخدرات، مارك كان مدفوعا بحفيدته، كان الدافع وراء تحرك كل شخص في السلسلة أسرته، وبالطبع فالسلسة صلا تدور حول أستاذ كيمياء يصارع السرطان ويقتحم عالم المخدرات ليوفر لأسرته المال بعد وفاته.

العائلة.. لا تتخلى عنها أبدا

"لا يمكنك التخلي عن العائلة أبدا، ماذا يوجد غيرها؟" هذا ما ردده والد جين الفتاة التي أحبها جيسي لوالتر، فقد بنيت أحداث المسلسل كلها على العائلة، فلولا حب والتر وايت لأسرته لما قرر الدخول لعالم الإجرام، وتوكو تاجر المخدرات كان يهتم بعمه المعاق – وامتد هذا الاهتمام بالعائلة حتى في مسلسل "من الأفضل الاتصال بسول" المقتبس من "بريكن باد" حيت يظهر حب واهتمام توكو بجدته واستعداده للقتل من أجلها- أما هانك زوج ماري فقد كان يقدر العائلة ويظهر ذلك في تعامله مع أبناء والتر.

لجانب المظلم في عالم بريكن باد هو فكرة أن الاهتمام بالأسرة مجرد نقطة ضعف يمكن استغلالها، فتقريبا كل الشخصيات في المسلسل تعرضت للقتل بسبب دفاعها عن عائلتها

أهمية الأسرة في المسلسل بررت كل الوسائل الغير مشروعة إن كان الدافع وراءها حماية العائلة، وكما يقول والتر في إدى حلقات الموسم الخامس "عندما نفعل ما نفعله لأسباب وجيهة، عندها لا يوجد ما يدعو للقلق" وقد أجاب المسلسل على سؤال حول إلى أي مدى يمكن للفرد أن يذهب من أجل عائلته، كما جعلنا نتساءل حول مدى التزامنا تجاه عائلتنا مقابل الأخلاق، ففي كفة الأخلاق والأسرة انتصرت الأسرة في المسلسل وكذا لدى المشاهد العادي الذي تعاطف مع والتر وايت بالرغم من جرائمه وتفهّم دوافعه لارتكاب تلك الجرائم، كما أن المسلسل يضع المشاهد أمام اختلال في العواطف فبين التعاطف مع المجرم بذريعة حماية عائلته ومقربيه أو الغضب منه -عند تعنيفه أو تدخله القاسي في حياة جيسي بينكمان- تضيع بوصلة الأخلاق لدى المشاهد ويتساءل عن من يستحق التعاطف معه.

هل تستحق الأسرة التضحية؟

إن الجانب المظلم في عالم بريكن باد هو فكرة أن الاهتمام بالأسرة مجرد نقطة ضعف يمكن استغلالها، فتقريبا كل الشخصيات في المسلسل تعرضت للقتل بسبب دفاعها عن عائلتها (لا ننوي هنا ذكر أسماء الشخصيات ولا الغوص في التفاصيل تفاديا لحرق المسلسل لمن لم يشاهده بعد) وحتى مايك المعروف ببرودة دمه كانت له نقطة ضعف وحيدة هي حفيدته.

ومن تابع المسلسل سيعرف كيف انقلبت أسرة والتر وايت ضده رغم كل التضحيات التي قدمها من أجلهم، المسلسل هنا يطرح تساؤلا لم يجب عنه وترك للمشاهد حرية الاختيار حول مدى كون الأسرة عائقا أمام الفرد بل ومتنكرة له، وهل تستحق الأسرة التضحية من أجلها بوصفها مجموعة من الأفراد الذين يجدون أنفسهم لا اختياريا كمجموعة مع بعضهم البعض.

 

حتى والتر وايت في الحلقة الأخيرة اعترف أن الالتزام العائلي ليس سوى وهم وعذر لأن حياته الإجرامية كانت مدفوعة أساسا بمصلحته الشخصية، ونهايته المأساوية كانت دفاعا على مساعده الشخصي الذي يكن له مشاعر الأبوة، يطرح المسلسل أطروحة جحيم سارتر، فإن قال سارتر أن الجحيم هو الأخر في مسرحيته "لا يوجد مخرج" حين اكتشفت شخصيات المسرحية أن مصيرها هو الخلود معا في غرفة صغيرة بفندق فمعاناة والتر سببها تأثره بالأخر وضعفه وعجزه أمامه، جحيم والتر وايت ليس شرطة مكافحة المخدرات أو السرطان لأنه تغلب عليهم، جحيمه كان أقرب المقربين إليه والتحرر من هذا الجحيم يكمن في مدى القدرة على الانعتاق من التأثر بهم.

 
عرى المسلسل عيوب التغطية في المجتمعات الرأسمالية، فدفع الضرائب والعمل بجد ليس كافيا ليجد الفرد في نهاية المطاف تغطية تتكفل بعلاجه ومستقبل أولاده

 
بريكن باد ونقد الرأسمالية

يعري المسلسل واقع الطبقة المتوسطة الأمريكية، الشريحة الأكبر حجما وإنتاجا في أمريكا والأكثر إهمالا في نفس الوقت، فعند أول منعطف وجد والتر وايت نفسه أمام عبء تحمل نفقات العلاج الباهظة التي فرضها عليه النظام الرأسمالي، فبين المال والانصياع للإنسانية والنظام اختار والتر المال وذهب بعيدا في ذلك.

عرى المسلسل عيوب التغطية في المجتمعات الرأسمالية، فدفع الضرائب والعمل بجد ليس كافيا ليجد الفرد في نهاية المطاف تغطية تتكفل بعلاجه ومستقبل أولاده، بل حتى أن التعرض للإصابة في سبيل أمن البلد -كما وقع للشرطي هانك بعد تعرضه لإطلاق النار في العمل- لا يشفع للحصول على علاج مجاني في مجتمع رأسمالي جشع. كما أن المسلسل يعرض من خلال شخصية جيسي بينكمان كيف تنهار سذاجة الأشخاص أمام واقع عالم المال والأعمال المتوحشة.

إن مسلسل بريكن باد يعرض فكرة تعقد الشر والخير والتزامهما ببعض وصعوبة الفصل بينهما عبر جعل المشاهد حائرا بين التعاطف مع الشر ونبذ الخير (الشرطة)، مسلسل بريكن باد يبين أن للشر جانبا مشرقا كما أن للخير جانبا قاتما وأن المجرم ضحية للدولة والنظام.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة