عن سيناريوهات إدلب.. هل ستحميها تركيا؟

قلنا منذ فترة طويلة جدا بأن مجرى الأحداث على المستوى الاستراتيجي قد أصبح واضحا في سوريا وهو يتجه نحو التدمير الممنهج للبلد تمهيدا لتقسمها إلى كانتونات متناحرة.  بالنسبة للجزئية الأولى المتعلقة بالتدمير الممنهج للبلد، فقد تم اعتماد استراتيجية واضحة تضمن توازن القوة المستمر بين النظام وحلفائه من جهة وبين المعارضة وداعميها من جهة أخرى بحيث لا ينتصر أحدهما على الأخر، وهذا ما حدث على مدى السنوات الماضية منذ العام 2011 وذلك بالتوازي مع العمل على المخطط التقسيمي للبلاد.

 

وفي هذا الإطار تمت تغذية النزعات القومية والطائفية بين أطياف المجتمع السوري من جهة كما تم دعم الأكراد واستعمالهم كحصان طروادة من أجل إنشاء كيان كردي في شمال وشمال شرق سوريا وصولا إلى المتوسط. ان إقامة مثل هذا الكيان الكردي كان كفيلا بتحقيق تشظي الدولة السورية بشكل تلقائي إلى دويلات علوية وسنية ودرزية وكردية.

 

وبطبيعة الحال لن يتوقف مثل هذا التشظي عند الحدود السورية نظرا لتراكب الديموغرافيا في المنطقة برمتها، بل انه سيمتد حتما ليمر بالعراق وإيران وتركيا وليصل إلى الخليج العربي وشمال أفريقيا، تماما كما انتشر الربيع العربي من تونس إمصر واليمن وسوريا وليبيا. إلا أن الفرق الجوهري بين الحالتين هو أن العالم كله وقف ضد هذا الربيع العربي لإفشاله نظرا لأنه يتناقض بشدة مع مصالح الطغمة الحاكمة في هذا العالم، بينما سيقف العالم مع التقسيم إن تم إطلاق شرارته الأولى. فموضوع التقسيم في المنطقة إذن هو موضوع شرارة البدء فقط، وبعدها تتكفل رياح السياسة القذرة بنشر الحريق إلى أبعد مدى يمكن تخيله.

 

كررت تركيا على لسان أكثر من مسؤول رفيع بأن إدلب خط أحمر وأن الهجوم عليها سيعتبر نهاية لاتفاقيات وقف التصعيد التي تم توقيعها في أستانة

فشلت شرارة التقسيم الكردية في سوريا بسبب التدخل التركي في عمليتي درع الفرات أولا ومن ثم غصن الزيتون ثانيا. لذلك فقد سقطت هذه الاستراتيجية مرحليا في سوريا، وبقي الهدف في تحقيق التدمير الممنهج لهذا البلد ومن ثم تسليمه مؤقتا إلى نظام الأسد، وهذا ما نشهده اليوم. فعندما وصلت سوريا إلى المستوى المطلوب من التدمير سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، تم كسر التوازن الموجود على الساحة لصالح نظام الأسد، فاستطاع الأخير، بدعم من حلفائه الإيرانيين والروس على وجه الخصوص، من استعادة معظم المناطق التي كانت خارجة عن سيطرته وكان أخرها ما جرى في درعا والقنيطرة.

 

بقيت إدلب هي المحافظة السورية الوحيدة الخارجة عن سيطرة النظام السوري، وقد باتت أنظاره تتجه إليها اليوم لاستعادتها من قبضة المعارضة. لكن هذه المحافظة في الحقيقة تختلف عن غيرها من المناطق التي استعادها النظام بنقطتين:

 

أولا: الكثافة السكانية المرعبة في هذه المحافظة، حيث يقدر عدد ساكنيها حاليا بحوالي ثلاثة ملايين شخص نزح أغلبهم إليها من مختلف بقاع الجغرافيا السورية، وهذا ما يجعل استعادتها عسكريا أمرا مكلفا للغاية على المستوى الإنساني.

 

ثانيا: القوة العسكرية المعتبرة لجماعات المعارضة السورية في إدلب واعتبارها كمنطقة تتمتع بنفوذ تركي قوي بحكم موقعها الجغرافي على الحدود. كما أنها واحدة من مناطق خفض التصعيد التي تم إبرامها بين فصائل المعارضة ونظام الأسد برعاية وضمانه روسية إيرانية تركية.

 

في هذا السياق المعقد، ما هي السيناريوهات التي تنتظر إدلب؟ وهل ستتدخل تركيا لتدافع عنها في حال قرر النظام السوري وحلفائه استعادتها؟ وإن كان الأمر كذلك فما هي الخيارات المتاحة للدولة التركية؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من تحليل عميق للحالة السياسية أولا والحالة الميدانية على الأرض ثانيا.

 

من ناحية سياسية، فقد كررت تركيا على لسان أكثر من مسؤول رفيع بأن إدلب خط أحمر وأن الهجوم عليها سيعتبر نهاية لاتفاقيات وقف التصعيد التي تم توقيعها في أستانة. كما أشار ياسين اقطاي مستشار الرئيس التركي إلى أن موضوع إدلب سيتم بحثه بالتأكيد بين الرئيسين الروسي والتركي في القمة التي ستعقد بينهما نهاية الشهر الحالي.

 

في الحقيقة، وتبعا للحالة السياسية الراهنة، فإن تركيا لا تملك أوراقا قانونية تمنحها حق التدخل فيما إذا قرر النظام السوري استعادة إدلب التي هي جزء من الجغرافيا السورية (مع إيماننا وتسليمنا بازدواجية المعايير الدولية في تفعيل قواعد القانون الدولي).

 

كل ما تملكه تركيا في هذا المجال على المستوى السياسي هو اتفاقيات خفض التصعيد التي تم توقيعها بضمانة تركية روسية إيرانية. إلا أنه من الواضح بأن الالتزام الروسي الإيراني بهذه الاتفاقيات ليس محلا للثقة مطلقا، خصوصا بعد ما شهدناه من خروق لهذه الاتفاقيات انتهت إلى استعادة النظام سيطرته على معظم مناطق البلاد بالقوة العسكرية مع أنها كانت مشمولة فعلا باتفاقيات خفض التصعيد كالغوطة الشرقية ودرعا.

 

كما أن الروس أنفسهم اليوم يلمحون إلى قرب الهجوم على إدلب متذرعين بوجود مجموعات إرهابية فيها وعلى راسها "هيئة تحرير الشام" المصنفة دوليا على لوائح الإرهاب. لذلك فإن تركيا قد تعمل حاليا على إقناع الهيئة بحل نفسها أو قد تضطر لدعم فصائل المعارضة الأخرى لقتالها واجتثاثها من أجل سحب هذه الورقة من يد النظام وروسيا. إلا أنه وحتى في هذه الحالة فلن يتخلى النظام عن خططه لاستعادة إدلب باعتبارها جزءا من الجغرافيا السورية.  

 

في حال فشل الاتفاق مع الروس، ربما تعمل تركيا على دعم فصائل المعارضة السورية من أجل لجم محاولات النظام التقدم نحو إدلب والتصدي لها
 

استنادا لذلك، وفي ظل غياب مستد قانوني دولي يمكن أن يبرر التدخل التركي لحماية إدلب، وفي ظل عدم الثقة بالتزام روسيا بتعهداتها المشتركة مع تركيا فيما يتعلق باتفاقيات خفض التصعيد، يبدو بأن تركيا لا تملك أوراقا سياسية قوية في هذا الملف، على الرغم من أنه يمثل لها ضرورة حيوية. تبعا لذلك فانه لا مجال للحديث عن تدخل للجيش التركي في إدلب أسوة بعمليتي درع الفرات وغصن الزيتون.

 

لذلك يتبقى لتركيا خيارين لا ثالث لهما:

1- إما عقد صفقة مع روسيا لمنع النظام من التوجه إلى إدلب، وهو ما قد يتم العمل عليه خلال قمة أردوعان وبوتين في وقت لاحق من هذا الشهر. وحتى يحين موعد هذا اللقاء يبدو بأن روسيا اختارت تسخين هذه الجبهة من أجل رفع الثمن الذي ستطالب بقبضه من تركيا لإيقاف التقدم نحو إدلب، أو وضع تركيا تماما تحت الأمر الواقع وقبولها بالتخلي عنها.

2- في حال فشل الاتفاق مع الروس، ربما تعمل تركيا على دعم فصائل المعارضة السورية من أجل لجم محاولات النظام التقدم نحو إدلب والتصدي لها. ويبدو أنه في هذا الإطار بالذات قامت الفصائل العاملة في المحافظة بالتوحد مؤخرا تحت تشكيل جديد اسمته "الجبهة الوطنية للتحرير". يضم التشكيل الجديد عددا من الفصائل مثل صقور الشام وجيش الأحرار وتجمع دمشق وجبهة تحرير سورية وغيرها.

 

إن تفعيل مثل هذا الخيار سيكون ذو تكلفة عالية للغاية على المستوى الإنساني لأن النظام وروسيا لن يتوانيا عن استعمال سياسة الأرض المحروقة كما فعلا في مناطق أخرى من أجل استعادة إدلب. لذلك فان هذا الخيار، الذي سيؤدي بالضرورة إلى إطالة أمد النزاع على المحافظة، سوف يخلق موجات مرعبة من اللاجئين الذين لا مفر لهم إلا الحدود التركية، مما قد يعطي ورقة سياسية قوية لتركيا من أجل الضغط على المجتمع الدولي لإيقاف العمليات القتالية. لكننا نعتقد أنه وكنتيجة لمثل هذا السيناريو، فإن أمد النزاع سيطول، ولكن النظام وروسيا سينتصران فيه بحكم تفوقهما التسليحي والجوي.

 

في المحصلة، تبدو تركيا مقيدة اليدين في ملف ادلب ولا وجود لخيارات كثيرة أمامها. لذلك فلا يتوجب علينا توقع الكثير منها، خاصة في ظل وجود إرادة دولية حاليا لتسليم "سوريا المدمرة" إلى نظام الأسد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة