حينما عالجني ملجأ الأطفال من الاكتئاب!

عندما أتذكر سنتي السادسة بكلية الطب، تجتاحني بعض من الكأبة التي لازمتني طيلتها.. عام تحملت فيه الموجات الارتدادية "لرسوبي" في السنة الخامسة الذي جاء على إثر وعكة صحية، وقاسيت فيه من النظرة الدونية التي كان يرمقني بها بعض الزملاء و"الأصدقاء".. فأنت عندما ترسب في كلية الطب ولو بسبب ظروف قاهرة كالمرض قد تصبح شخصا منبوذا ومحتقرا، وقد يبتعد عنك من كنت تحسبهم خلانا ولا يردون عليك حتى السلام.

في خضم معاناتي، اقترحت علي صديقتي الحميمة يوما أن نذهب معا إلى ملجأ لإيواء الأطفال الصغار المتخلى عنهم، كانت تحاول بذلك إخراجي من العزلة التي كنت أحتمي بها وأتهرب بها من مواجهة الاَخرين، فقبلت وضربت هي لي موعدا هناك.. اجتزنا حديقة المركز الذي يتواجد في مستشفى، وسُمح لنا بالدخول بعدما أدلينا بهوياتنا.. ثم توجهنا نحو القاعات التي يوجد فيها الأطفال الرضع.. يتعلق الأمر بقاعتين فيها أسرة مصفوفة جنبا إلى جنب، ينام فيها الصغار الذين لا يستطيعون الوقوف، بينما يُربط الاَخرون إلى أعمدة الأسرة لكي لا يسقطوا.. للوهلة الأولى بدا لي الأطفال كحيوانات حبيسة في حديقة حيوانات.. تقدمنا نحوهم، فمدوا لنا جميعا أيديهم وهم يصرخون، حتى أولئك الذين لا يستطيعون النهوض كانوا يحركون أيديهم وأرجلهم بعصبية وهم يحاولون لفت نظرنا لكي نحملهم.

توجهت إلى سلة اللعب ووزعت بعضا منها على الأطفال ولكنهم لم يعيروها أي اهتمام، كان غاية ما يريدونه هو أن نحملهم أنا وصديقتي.. تمسكت إحداهن بملابسي، صغيرة ذات شعر برتقالي اسمها "صليحة" بالكاد تستطيع الوقوف، فحملتها وما كدت أفعل حتى تشبثت بي كعَلقة، وتحولت يداها الصغيرتين إلى مرساتين غرزتهما في كي لا أتركها.. ومالت برأسها على صدري ووضعت أذنها فوق قلبي وهي تتنهد كشخص وجد ضالته أو كغريق وصل إلى بر الأمان.. في حين علا نحيب الأطفال الاَخرين الذين كانوا يرمقونها بعدوانية وشرع أحدهم يضرب رأسه فوق قضبان سريره الحديدية غضبا.

في مركز الأطفال، كانت هناك أسرة أوروبية، زوجان وأطفالهما كانوا يحضرون مرارا للاعتناء بالأطفال كما أخبرتنا بذلك المربيات.. إنسانية قد لا نجدها عند عدد كبير من المسلمين

تعطٌش رهيب للحنان وتصيد لبعض الدفء.. ومأساة لا يمكن الإحاطة بجوانبها إلا برؤية ضحاياها.. أغلب النزلاء ذكور لأن الناس يفضلون التكفل بالبنات.. بعضهم معاقون ذهنيا أو حركيا أو الإثنين.. سيقضي عدد من هؤلاء المعاقين كل حياتهم على سرير وسينحصر مجال رؤيتهم على سقف أبيض أو مقشر.. عندما يمرض أحد الأطفال، تنتشر العدوى بسرعة البرق.. قد يمرض أحدهم بالإسهال، ولا يتم اكتشاف الأمر حتى يصاب الرضيع بالجفاف لأن المربيات يتناوبن على تبديل الحفاضات وبالتالي لا يعرفن من لديه إسهال مؤقت ومن طال لديه المشكل.. رأيت البعض منهم في مصلحة الأطفال، رضع متيبسون متغضنون.. جلدهم جاف ومتجعد كجلد سلحفاة، ينظرون إليك بعيون غائرة فينتفض قلبك لمراَى هذه الكائنات الصغيرة التي تخلت عنها أمهاتها وتركتها تواجه مصيرا مجهولا.

في مركز الأطفال، كانت هناك أسرة أوروبية (لم أعد أذكر موطنها)، زوجان وأطفالهما كانوا يحضرون مرارا للاعتناء بالأطفال كما أخبرتنا بذلك المربيات.. إنسانية قد لا نجدها عند عدد كبير من المسلمين.. إلا أن الحذر واجب، فالهدف لا يكون إنسانيا دائما، حيث يتذرع بعض الإسبان أحيانا بالعمل الإنساني للتبشير وغرس أفكار انفصالية في عقول الأطفال في بعض المناطق المغربية.

تركت "صليحة" لأنه كان من الظلم أن أهتم بها لوحدها.. جلست كالمصدومة ونظرت إلي بعتاب ثم انكبت بوجهها على السرير وشرعت في موجة من البكاء.. كان بكاءها غريبا أشبه ببكاء النساء المسنات اللواتي خبرن الحياة منه ببكاء الأطفال.. بكاء حار لطفلة يتخلى عنها دائما كل الغرباء الذين تنشد لديهم بعضا من الحنان الذي حرمه منه أبواها. لاعبت رضعا اَخرين.. كنت أختار الدميمين لأنني أعلم أن الناس يفضلون الجميلين منهم ويداعبونهم، فيعاني القبيحون من ضريبة الهجران وضريبة الدمامة.. ثم رجعت إلى المنزل.

أثر في الصغار كثيرا فقررت الرجوع مرة أخرى لوحدي.. ولكنني صعدت في المرة الثانية إلى الطابق الذي يوجد فيه الأطفال الذين يبلغون من العمر ما بين سنتين و5 سنوات، وهو الحد الأقصى لعمر النزلاء بالمركز.. حيث يتم تحويل من يجتاز سن الخامسة إلى مراكز أقل نظافة واهتماما تنتظرهم فيها أيام سوداء.

أحاط بي الأطفال، لم يكن أحد منهم يتكلم حتى حسبتهم مصابين بالخرس.. ولكن لم يكن لديهم مشكل في النطق، كل ما هنالك أن أحدا لم يعلمهم الكلام.. كانوا يكتفون بقول كلمات غير مفهومة أو بأخرى لا تناسب سنهم.. مدوا أذرعهم نحوي لأحملهم.. تعلق بي اثنان، في حين تسبب ثالث في انحصار حجابي، وضرب رابع رأسه على الأرض كوسيلة تهديدية لأنه لم يكن من المحظوظين.. فجلست على الأرض لأرضي الجميع الذين تحلقوا حولي.. ثم لعبنا وضحكنا.

إذا كان حتى الاَباء قد يتخلون عن فلذات أكبادهم ويرمون بهم للشارع عرضة لكل المخاطر والمهانات، فلا يجب أن أتعجب من وقاحة البعض ممن لا يمتٌون لي بصلة

فجأة قال لي أحدهم: "ماما (ينادون الجميع ماما.. ولكن كل هؤلاء الأمهات الغريبات بالتبني المؤقت ليس في وسعهن سد الفراغ الذي تركته الأم الأصلية).. ماما.. كاكا".. صحبته إلى المرحاض وانتظرته أن يكمل وراء الباب.. عندما أنهى، انتظر أن يأتي أحد لينظفه.. ولكن أحدا لم يفعل.. حتى أنا لم أبرح مكاني وتغاضيت عن الأمر وأنا محرجة وأحس بالذنب.. واكتشفت أمرا خطيرا: فلا أحد سيحبك كفاية عادة ليمسح لك غائطك في كل مرة عدا أمك.

تعلمت من خلال زيارتي لمركز الأمل للأطفال المتخلى عنهم دروسا ليس بوسع معلم أو كتاب أن يلقناني إياها، وكانت هذه الزيارات وتلك التي تلتها نحو مراكز أخرى بداية الطريق نحو العلاج ونحو انتشالي من مستنقع الاكتئاب الذي كنت أتخبط فيه.. فهمت أن سنة دراسية ضائعة لا تعد شيئا أمام طفولة ضائعة مغتصبة، وأن حزني يهون أمام مصير أولئك الصغار المبني للمجهول.. وفهمت أيضا أننا نعيش في عالم قاسي لا يرحم، وبأنه لا يجب أن أنتظر من أحد أن يرأف لحالي أو يراعي مشاعري (إلا من أوتي قلبا سليما وهم قلة).

 

فإذا كان حتى الاَباء قد يتخلون عن فلذات أكبادهم ويرمون بهم للشارع عرضة لكل المخاطر والمهانات، فلا يجب أن أتعجب من وقاحة البعض ممن لا يمتٌون لي بصلة.. كما أنه لا يجدر بي السقوط والاستسلام أمام أول عقبة.. فبدأ مصابي يبدو لي تافها وأنا الفتاة الكبيرة الناضجة التي نعمت بحياة هنيئة بالمقارنة مع أولئك الأطفال الذين لم يعرفوا يوما حبا حقيقيا ولا عطفا أبويا ولاحنانا أموميا.. وبدأت فضائل الله علي التي لم أكن ألقي لها بالا تتجلى أمام عيني اللتين كانت تعلوهما غشاوة الجهل والغفلة.. وشرعت أقارن بين ما وهبنيه الله مقابل ما حرمني منه، فاستحييت من نفسي وحمدت ربي.. وبذلك قربتني مصيبتي من خالقي كما علمتني أهمية التواضع، فما من خير نناله إلا بفضل الله ولا يد لنا فيه.. ولولا الألطاف الإلهية لكنا ممن يسمون عادة "باللقطاء".. شملهم الله برعايته ورحمته، وانتشلهم مما هم فيه.

بعد كل زيارة للخيريات، كان أثرها على سلوكي يظهر للعيان.. فأكلم والدي بعد رجوعي بغاية الاحترام وأعرض عليهما المساعدة، وأقبل يد أمي وأصبح فتاة وديعة مثالية.. ولا أمتعض كالعادة عندما يتدخل أفراد من عائلتي في شؤوني.. حيث اتضح لي أن الأبوين والأسرة هما أغلى كنز في العالم.. وأن فقدان كل شيء عداهما يهون.. وتلك عبرة لأولي الألباب.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يروج البعض أن البروكلي يعالج السرطان، ورغم فوائده العديدة والمميزة ودوره بانخفاض خطر الإصابة ببعض أنواعه، فلا يعد وحده علاجا لأي نوع من الأمراض.

الأكثر قراءة