المثقّف الشّرقي.. المُخادع الّذي أنتجته الكتب!

blogs قراءة

تعاني مُجتمعاتنا مشاكل عديدة على كافة الأصعدة السياسية، والاجتماعية، والأخلاقية. والمقام هنا ليس لسرد تلك القضايا وعرضها والسّعي إلى حلّها وإنما لإثارة التفكير والنقاش حولها. ومن ضمن هذه القضايا التي ظلّت تؤرق المجتمعات الإنسانية في أي مكان وربما في أي زمان هي قضية المثقفين. وقد يجزم البعض على استحالة وجود مجتمع لا يشهد صراعاً ثلاثي الأبعاد بين السُّلطة، المثقفّين، العامّة. فمن هو المثقف وأخصُّ بالذِّكر هنا المثقف الشّرقي؟ وماهي صفاته؟ بمعني ما هي الأشياء التي تجعله مُثقفاً؟ ولماذا تحوّل المثقف الشرقي في الآونة الأخيرة -أي بعد اندلاع ثورات الربيع العربي- إلى مُخادعٍ يلجأ إلى حججٍ هو نفسه لا يؤمن بها؟ وبالتالي تضاؤل فرصه في أحداث أيّ تغيير.

في أغلب الأدبيات والدراسات التي تتناول مفهوم المثقّف، يوجد دائماً خلط واضح بين النظر إلى المثقّف كما يجب أن يكون من ناحية، وواقعه الذي يعيشه من ناحية أخرى. وينتج عن هذا الخلط المفاهيمي -بالطّبْع- عدد كبير جداً من التعريفات والتصورات التي تختلف عن بعضها البعض. فهناك من يربط المثقف بالثقافة؛ وهناك من يربطه بالتعليم. فالشخص المثقف هو الّذي تلقّى قدراً من التعليم. وهناك من يربطها بالأفكار، وهنا يصبح المثقف هو الشخص القادر على انتاج الأفكار الجديدة، أو لديه المقدرة على التعامل مع الأفكار القديمة التي انتجها الفلاسفة والأدباء والمؤرخين وغيرهم.

ونسبة لاختلاف الأرضيّة التي يُنظر من خلالها إلى طبقة المثقفين أو "الانتلجنسيا" فقد دار نقاش كبير، وحاد بشأن ما هو التعريف الأمثل والأفضل للمثقف؟ ففي أوروبا ومنذ ظهور لفظ المثقفين في فرنسا في بدايات القرن العشرين بعد حادثة "دريفوس" الشهيرة، كان يمكن اعتبار أي حامل شهادة تعليمية مثقفاً، حتى لو كانت شهادة الثانوية العامة. بكلام آخر كان المثقف وقتذاك هو الشخص غير الأمّي، وعلى ما يبدو فإن مسألة الحصول على شهادة تعليمية في ذلك الوقت لم يكن متاحاً للجميع لذلك كانت تطلق صفة المثقف على حاملي الشهادات التعليمية.

ينظر المثقف الشرقي إلى نفسه على أنه إنسان غير عادي، ولا يشبه عامة الناس في شيء، وفي بعض الأحيان قد يتعالى عليهم بفلسفات محيرة كي يثبت تفوقه وسمو مكانته

أما في السياق الشرقي فإذا قابلتم شخصاً ينظُر إلى نفسه على أنه ينتمي إلى طبقة متميزة تعلو على طبقات الشعب الأخرى، وتظن أنها تمتلك وحدها حق تحديد مصائر العامة، وتدبير شؤون الحياة، ولا تمانع هذه الطبقة إذا اضطرتها الأوضاع في فرض وصايتها على الشّعب من خلال ممارسة نوع من الاستبداد المستنير، والأكثر من ذلك تمتلك هذه الطبقة قدراً من ازدراء الطبقات الأخرى خصوصا الطبقة العاملة، والاستعلاء عليها إلى درجة تمكّنها من التصريح بعدم أهلية تلك الطبقات للمشاركة في تحديد شؤون الحياة العامة، فأنتم أمام شخص يمكن أن تطلقوا عليه وبلا تردد لفظ "مُثقّف".

ينظر المثقف الشرقي إلى نفسه على أنه إنسان غير عادي، ولا يشبه عامة الناس في شيء، وفي بعض الأحيان قد يتعالى عليهم بفلسفات محيرة كي يثبت تفوقه وسمو مكانته. فهو يرى في نفسه المنقذ الأول لمجتمعه من السقوط في براثن الجهل والتخلّف، والمدافع الأول عنه أمام السلطة السياسية. ودائما يشاع بين أوساط المثقفين، والعلماء أن هنالك مشاكل وقضايا أوجدتها المؤسسات السياسية القائمة، أو هي نتاج للتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية، وأن الحل لهذه القضايا يُمكِن استنباطها من المثقفين فقط ولا أحد غيرهم.

وعلى عاتق طبقة الانتلجنسيا تقع مسألة التنوير، فالمثقف يؤمن بدروه التنويري في المجتمع، وهو الّذي يُبرِز المشكلات الكُبرى التي تواجه عامة الشعب، لأن مسألة كشف النّقاب عن هذه المشكلات ليست مسألة سهلة ولا يقدر العامّة على القيام بها، كما أنه يلعب دوراً أساسياً في مواجهة السلطة السياسية، وانتقاد سياساتها وحزمة الإجراءات التي تتخذها. والأكثر من ذلك وفي دراسة أعدّها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن: "المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمِن" توصلت الدراسة إلى ان مهمة تطوير الثقافة الشعبية من ثقافة عبادة البطل والخضوع للقوي إلى ثقافة الالتزام بالمبادئ والقوانين والدفاع عن كرامة المواطن وحرياته السياسية، هي مهمة خاصة بطبقة المثقفين بامتياز. فالمثقف بهذه الطريقة هو الذي يسعى إلى ترسيخ القيم والمعايير التي يَحكم بموجبها أفراد المجتمع على ما يدور حولهم انطلاقاً من رؤى عقلانية ودنيوية.

ولكن إذا نظرنا إلى القضايا المعقّدة مثل الثورات السياسية، والاجتماعية، وقضية الإرهاب، والتّطرف الديني، وتيارات الهجرة نحو الغرب، والحروبات التي قضت على الأخضر واليابس في المنطقة، وغيرها من القضايا التي تعاني منها مجتمعاتنا، والتي تتطلب تدخلاً فكريا سريعاً من قبل الطبقة المثقفة التي تتْدّعي امتلاكها المقدرة أو الوصفة الفكرية/السحرية على مقابلة هذه القضايا بالأفكار والتنظير حولها، ومن ثم السعي لمعالجتها، عندها نصاب بالإحباط ويقتلنا اليأس، لأننا سنكتشف أن المثقفين أنفسهم هم المشكلة التي تحتاج إلى حل.

لكي نفهم دور المثقفين في المجتمع، علينا أن نفهم ما يفعلونه، وليس ما يزعمون أنهم يفعلونه، أو حتى ما قد يعتقدون أنهم يفعلونه. فالمثقفون كما يرى "توماس سويل" مثلهم مثل سائر البشر الآخرين يمتلكون رؤية بعض الإحساس الحدسي لكيفية سير العالم، وما الذي يسبب ماذا؟ هل يسبب المثقف الثورة؟ أم أن الثورة تسببه؟ ما الذي يجعل المثقف يتمرد على السلطة السياسية؟ هل ينتج المثقف الثقافة؟ أم أن الثقافة هي التي تنتجه؟ عندما نفهم طبيعة هذه التساؤلات وقتها نعرف الفرق بين المثقف الزائف/المخادع والمثقف الحقيقي.

المثقف هو أداة الوعي، العارف، المطّلع، والمتعلم، الخبير، الوصي على مجتمعه، والممثّل المعارض له أمام الدُّوغما الحاكمة، فهو الذي يدرك الحقوق، ويعرف من أين تُؤكل كتفهاالمثقف هو أداة الوعي، العارف، المطّلع، والمتعلم، الخبير، الوصي على مجتمعه، والممثّل المعارض له أمام الدُّوغما الحاكمة، فهو الذي يدرك الحقوق، ويعرف من أين تُؤكل كتفها
 

يقول الدكتور نديم البيطار واصفاً وضعية المثقف الحقيقي: "الميزة الأساسية التي تميز المثقف الحقيقي، ليست الشهادات الجامعية العليا، ليست الدكتوراه، وليست حتى عدد الكتب التي يكون قد قرأها، بل هي استيعابه وتمثّله، وليس فقط ادراكه للعقل العلمي، الذي يعني في أبسط معانيه استخدام العقل لاتخاذ قرار بشأن كيفية التصرف، وقدرته بالتالي على ممارسته في المشاكل التي يدرسها ويعالجها، وفي الحوار أو النقاش الذي يدخل فيه. إنها القدرة على الموضوعية العلمية والعقلانية العلمية والعقل النقدي في استيعاب المعرفة، لهذا كان من السهل على المتعلم أو المثقف بأن يكون نصف-مثقف على يكون مثقفاً حقيقياً، لأن النصف الآخر لا يتوفر عن طريق القراءة، أو الشهادات الجامعية أو المعرفة فقط، بل بادراك طبيعة المعرفة الحقيقية".

بمجرّد قراءتهم للكثير من الكتب الفكرية، والعلمية ظنّ أغلب المثقّفون الشرقيّون أن بإمكانهم فعل أي شيء. فالمثقف هو أداة الوعي، العارف، المطّلع، والمتعلم، الخبير، الوصي على مجتمعه، والممثّل المعارض له أمام الدُّوغما الحاكمة، فهو الذي يدرك الحقوق، ويعرف من أين تُؤكل كتفها. هو الذي يُعاين المشكلات الاجتماعية ويعمل بتعالٍ لحلها من دون أن يجد الحل. هو الطبيب الذي يرى مريضه يتعذب ويعاني من دون أن يقدر على مساعداته، ببساطة لأن أعراض المرض لم تكن موجودة في كتب الجامعة، تلك الكتب التي قرأها وحفظها عن ظهر قلب. أو لأنه ادّعى أنه طبيب بشري، ثم كُشِف أمره فيما بعد على أنه بائع خردوات.

وبالنظر إلى سقوط الانتلجنسيا في العديد من المآزق والمعضلات الأخلاقية والفكرية، والتي من بينها مشكلة العقلية التبشيرية، والوعظية، والتي تتناقض كلياً مع العقلية العلمية. ومن ثم ركونها إلى التجزيئية، بمعنى أن المثقفين ينظرون إلى القضايا والظواهر السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية كقضايا وظواهر مجزأة ومنفصلة، بدلا من رؤيتها أو العمل على رؤيتها ككل. بالإضافة إلى النفس القصير الذي ميّز الانتلجنسيا الثورية عن طريق عدم انشغالها بالاتجاهات بعيدة المدى، نستنتج أن أغلب المثقفين الشرقيين زائفين ومُخادعين.

فكما حدث مع "جريجور سامسا" في رواية المسخ لــ "فرانز كافكا" حيث استيقظ جريجور من نومه ليكتشف أنه قد تحول إلى حشرة كبيرة بأرجل كثيرة، عطنة الرائحة، وكريهة، لا تستطيع التحرك. استيقظ المثقف الشرقي على نفس الطريقة، ونفس الإيقاع والفارق الوحيد بينهما أن جريجور سامسا حوّله كافكا إلى مسخ، اما المثقف الشرقي فحولته الكتب إلى مخادع. وبالتالي تحول إلى مثقف زائف يقول مالا يؤمن به، ويدافع عن فكرة يرفضها في أعماقه، والأدهى من ذلك أنه غير قادر على التحرك لفعل أي شيء حيال مجتمعه.