الباحثون عن الحقائق..

blogs - باحث

الناظرُ لحالِ مجتمعاتنا العربية قد يُصيبه بعضٌ من الإحباطِ في محاولاته للإجابة عن تساؤلاتٍ لابد أنها بالضرورة ستدور بخلده إذا تأمل أحوال قاطني تلك المجتمعات. هل حقًا لا يأبهون بمرارة واقعهم، وضبابيه مستقبلهم؟ هل بالفعل لا يكترثون لقيمٍ، أو اعتباراتٍ دينيةٍ أو أخلاقية؟ هل صاروا يعيشون حياتهم الدنيا دون اعتبارٍ لحياةٍ أبديةٍ بعد حسابٍ أمام الملك العدل الذي لا يظلمُ أحداً!

كل تلك التساؤلات وربما أكثر قد تدور في خُلدك بمجرد التجول في إحدى تلك المجتمعات ومراقبة تصرفاتهم اليومية. ولكن هل حقًا هذا هو الحال؟! هذا ماكنت أظنه، إلى أن أتاحت لي الظروف الاحتكاكَ بفئةٍ من قاطني تلك المجتمعاتِ أحسبهم على خيرٍ وقد جددوا عندي الأمل فيها. بعضُ الشبابِ الذي حمل هم أمته، واتخذ العلمَ سبيلًا لنهضتها ورُقيها، فعكف على أوراقِه وأدواتِه باحثًا في حقائقِ الأمورِ وخفاياها لتتضحَ جليةً أمام عقلاءِ تلك الأمةِ وصانعي نهضتها. واتخذ هؤلاء على عاتقهم مهمة الخروجِ بتلك الأمةِ من أزمتها الفكريةِ والوجدانيةِ التي تحياها الآن.

هم الباحثون الذين يقصدون في رحلةِ بحثهم عن حقيقةِ الأشياءِ وجهَ ربِّهم ووجهتِه؛ فيُلهمهم الله بنياتِهم وصبرِهم على العلمِ والتعلُّمِ قُرباً وقدراً

في وقتٍ ظننت فيه أن هذه الأمةِ تتجه إلى الهاويةِ بعدما نُكِّل بُمصلحيها؛ وكنت كلما تذكرت إجابةَ النبي "صلى الله عليه وسلم" على سؤالِ أحدِ أًصحابه: أنهلكُ وفينا الصالحون؟ بأن نعم؛ إذا كثُر الخبث، ازداد شعوري بقُربِ هلاك هذه الأمة. إلى أن أراد الله لي أن ألتقي بتلك الفئة في مجتمعاتنا والتي جددت لدي معنى الانتماء، ليس للوطن فحسب؛ وإنما للأمة التي لابد لها من التقاء القلوب والعقول قبل الأجسادِ والأماكن. عاش هؤلاء –المخلصين منهم غير ذوي الهوى- لقضيةِ أمتهم وإن كان على حسابِ أن يعيشوا في رغدٍ من العيش، فإن أرادوا ذلك فتحت لها الدنيا أبوابها وأقبلت عليهم فاتحةً لهم ذراعيها. ولكنهم اختاروا الطريق الأصعب للعيشِ الرغيدِ رغم بساطتِه، وحياةِ البرزخ رغم مجهوليتها في الرؤيةِ البشريةِ القاصرةِ في كثيرٍ من الأحيانِ عن إدراكِ علةِ الأشياءِ أهدافها الأسمى التي وعاها هؤلاء ممن أتحدث عنهم على صغر أعمارهم، إلا أنهم تفوقوا -بإيمانهم بالله أولاً وبقيمهم ومُعتقداتهم في خيرية تلك الأمة رغم كبوتها ثانيًا- على كثيرٍ من هؤلاءِ المُتشدِّقين بالشعارات والهتافات، الساخطين على واقعهم، الناقمين على كلِ من حولهم، يحملونهم مسئوليةِ كلِّ مصائب الأمة الماضيةِ والحاضرةِ وحتى الآتية.

هم الباحثون الذين يقصدون في رحلةِ بحثهم عن حقيقةِ الأشياءِ وجهَ ربِّهم ووجهتِه؛ فيُلهمهم الله بنياتِهم وصبرِهم على العلمِ والتعلُّمِ قُرباً وقدراً، حتى يظنَّ الناظرُ لهؤلاءِ -أساتذةً وطلابًا- بأنهم الأرقُ أفئدةً والأنضجُ عقولاً والأطيبُ نفوساً. هم القاطنون بيننا وربما يقبعُ بعضهم خلف أسوار السجون أو مُهجّرون في بلاد الله بعيداً عن أوطانهم وأهليهم؛ يعيشون في صمتٍ يخفي من الأفكار ما يتوقُون بها لاختراقِ العالم بتلك الأمةِ، حتى يضعوها في المقدمة التي تستحقها –كما يرون-، صمتٌ يُسكت صخبَ العالمِ من حوله مُعلناً أن آن لنا نحن أن نتكلم ليس بألسنتنا وإنما بأقلامِنا، ووجب عليكم أن تنصتوا.

وختامًا أهدي لهؤلاءِ كلمات سيدنا علي –رضي الله عنه- في فضلِ العلمِ والعلماء:

ما الفخــــرُ إلا لأهلِ العلمِ إنهمُ.. على الهدى لمنِ استهدى أدلاءُ

وقدرُ كلِّ امرئٍ ما كان يُحسنه.. والجاهـلون لأهلِ العـلمِ أعداءُ

فـفـز بعلمٍ تعِش حيًّا به أبــدًا.. الناسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياءُ

الأمُة موتى بغيرِ طلابِ العلم وإن كثُر العُبَّاد، والناسُ هلكى بغيرِ العلماءِ وإن كثُر الفُقهاء، ففضلُ هذا على ذاك كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ كما صحَّ عن الحبيب المُصطفى "صلى الله عليه وسلم"، فكيف لهؤلاءِ أن يستويان؟! فاللهم لا تحرم هذه الأمةً من علمائها ومُفكريها وباحثيها.