المناعة النفسية سلاحنا سرّي!

blogs امرأة

من منا لم ينل منه المرض يوما وعند مراجعته الطبيب يردد على مسمعه ألا يقلق فجهاز مناعته الجسدي يُجند كل الأعضاء لمحاربة الأمراض والفيروسات التي تحاول اختراقه، فهذا الجهاز المناعي يقوم بإحراج المرض ثم إخراجه، هذا بالنسبة إلى الأعراض الجسدية السلبيّة، أما بالنسبة إلى الحالات النفسية، فما الذي يحمي الانسان من شدّة الأحاسيس؟

إن كل نبضةٍ تطرق في قلب تُعْلِنُ أننا ما زلنا على قيد الحياة، نُمتحن ونُفتن ونُمحص ونُبتلى، وقد تدفعنا أقدارنا إلى حيث لا نريد، وتجبرنا عواصف الأيام على مواجهة مشاعر عاتية لم نتخيل البتّة أننا سنكونُ فريستها اللذيذة يومًا ما، فقد نفارق حبيبًا، أو نفقد قريبًا أو نخسرُ صديقًا، أو نستيقظ على كارثةٍ ماليةٍ أو دراسيةٍ، أو هزيمةٍ نفسيةٍ بفراقِ وطن. حينها سوف يُهشِّمنا الألم ويسحقُ أضلُعنا بلا رحمةٍ إنْ لم نَصُدَّ ضرباته وجهًا لوجه، بل سيستغل رهيفَ المشاعر ورِقّتها، وتأجُّج العواطف وثورتها ليفتح في صدورنا دروبًا جديدة لم تخطر لنا على بال.

نتساءل كيف استطعنا أن نخرج من ذلك الحزن الشديد وتلك الضغوط النفسية التي نعيش بها ومعها، حتى أحياناً نظن أن الحياة انتهت هنا والآن، لكن رغم قساوتها إلّا أننا تنتصر عليها! كيف؟ ببساطة، هي المناعة النفسية التي بداخلنا والتي تكمن فكرتها على أنها وحدة متكاملة متعددة الأبعاد لموارد الشخصية المرتبطة بالجوانب (المعرفية، الدافعية، والسلوكية) والتي تقدم للفرد مناعة يستطيع من خلالها التعامل مع الضغوط ومقاومتها وتدعيم الصحة النفسية، سلاح سرّي يحمينا من كل شيء، وينقذنا من كل سوء إذا ما أدركنها حققنا سعادة بشكلٍ مستمر.

فاعلية كفاءة نظام المناعة النفسية لدى الأفراد الذين تعرضوا للصدمة النفسية تحد من إمكانية تطور أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة، من خلال فاعلية قدرات المواجهة التكيفية المعتمدة على الإرادة واليقظة الذهنية

تعرض الفرد للكثير من الخبرات المؤلمة والصادمة قد تفرز لديه العديد من الاضطرابات النفسية، التي تختلف في درجتها وقوتها باختلاف بنائه النفسي وتكوينها، واتسامه بنظام مناعي نفسي متكامل يحول بينه وبين تحول هذه المشكلات النفسية إلى اضطرابات ثابتة. إن الفرد يمتلك آلية داخلية تشترك مع نظام المناعة الحيوية بالحفاظ على بقائه، وتقيس ما يحدث لوجدانه، والتي تمكنه من التحرك للداخل والخارج من المشاعر السلبية، ويتم التحكم بالحركة من الداخل، وهذه الآلية هي المدخل لفهم المشاعر السلبية المتطرفة، وتعديل الاستجابات نحو الاستقرار بمواجهة تقلبات الحياة، وقدرة الفرد على التخلص من أسباب الضغوط النفسية والاحباطات والتهديدات والمخاطر والأزمات النفسية عبر التحصين النفسي.

 
المناعة النفسية تعتمد على اختزال عددا من الميكانزيمات المعرفية التي تحمي من الشعور بمعاناة المشاعر السلبية المتطرفة، من خلال التجاهل -التحويل- وبناء المعلومات، لجعل الحالة الراهنة أكثر احتمالا، حيث تعمل خارج ادراكنا ووعينا، وقد تبين أن هناك عالقة قوية بين العوامل المسببة ونظام المناعة النفسية كعامل شخصي وقائي، فيما يتعلق بتطور الاضطرابات النفسية، حيث إنه إذا اتصفت العوامل المسببة بالطبيعة التراكمية بسبب نمط حياة الفرد، وأتصف نظام المناعة النفسي بعدم التطور، فإن ذلك من شأنه أن ينقل الفرد من الحالة النفسية السوية، إلى حالة يكون فيها سريع التأثر، ومن ثم نحو المشكلة النفسية، وفي النهاية الاضطراب النفسي الكامل، لذا في البداية تكون الغاية من التدخلات العلاجية في المشكلات النفسية هي خفض العوامل المسببة من خلال تدعيم نظام المناعة النفسية على امتداد الحياة، والتي تعمل على عرقلة العمليات المساهمة في خلل الأداء النفسي، وهنا نجد أن نظام المناعة النفسية للفرد هو الأشد تأثيراً على تطور المشكلة النفسية إلى الاضطراب النفسي، والصحة النفسية بشكل عام، حيث إذا تم تدعيم هذا النظام المناعي بأسلوب فاعل وناجح، فإنها تقوي الأثر العلاجي.

 
إن فاعلية كفاءة نظام المناعة النفسية لدى الأفراد الذين تعرضوا للصدمة النفسية تحد من إمكانية تطور أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة، من خلال فاعلية قدرات المواجهة التكيفية المعتمدة على الإرادة واليقظة الذهنية، وتعزيز قدرات الاستيعاب المعتمدة على قدرات الاحتواء والتحويل، بالتالي تنتج لدى الفرد القدرة على تنظيم وضبط الانفعالات السلبية المرتبطة بالحدث الصادم وتحويل الطاقة السلبية نحو الجسد، بالإضافة إلى النظر للذات نظرة ايجابية متحكمة بالذات والسياق.