شعار قسم مدونات

الكوليرا في زمن الانحطاط.. حينما تتوارث الثقافات السلبية!

BLOGS الكوليرا

عن أي كوليرا يتحدثون؟ هل هي ذلك المرض الفتاك الذي يحل بجسم الإنسان فقط؟ أم ذلك الفيروس المعدي الذي ينتقل من جسم إلى جسم عبر مختلف قنوات الاتصال بين الأفراد؟ أم أنّ هناك أشكال أخرى؟ وهو بيت القصيد. لابد من معرفة أسباب الأمراض حتى يتسنى لنا تشخيصها والبحث في الوسائل الرامية إلى إزالتها وتطبيبها.

 

الكوليرا وحسب ما جاء في التقارير الطبية المختلفة والبيانات العلمية والدراسات الأكاديمية عبارة عن فيروس ينتج عن تكاثر بكتيريا تنشط أساسا في الجهاز الهضمي وبالضبط في الأمعاء الصغيرة تفرز سموما تؤثر بشكل مباشر وكبير على جسم الإنسان مما تتولد له حالات غير عادية قد تودي بحياته خلال ساعات قليلة، والشيء الأهم في هذا الموضوع كوننا لسنا متخصصين فيه ولا المجال يسمح لنا في التطرق لمعطياته سنطرق بابا في هذا ونستغرب في كون هذا المرض لا يمكن أن يصيب دولة ولا مجتمعاً إلا إذا تفشى التلوث وساد عدم الاهتمام بالجانب الصحي لدى أفراده، وقد تصدعت رؤوسنا منذ سنوات بالاحتياطات السياسية والتوعوية التي تهدف إلى إبراز ما قدمه الساسة والمساعدين لهم من أفراد المجتمع المدني خدمة لهذا القطاع حتى صرّح أحدهم أن الجزائر الأفضل في مجال الصحة حتى من السويد وألمانيا ولكن سرعان ما جاء آخر ليقارن القطاع الصحي في بلادنا بما هو حال اليمن والنيجر تشاد وغيرها من البلاد التي تنكوي كل يوم بنار الأمراض والأوبئة الناتجة من جراء الحروب والكوارث المتتالية.

مهما كان سبب هذا المرض إذن هو حالنا اليوم، لكنني سأذهب في هذا المقال إلى ما هو أبعد من ذلك. هل الكوليرا يمكن أن يكون مرضاً عضويا فقط؟ إذا كان السبب الرئيس وراء هذا المرض هو التلوث، فالمجتمع وأفراده هم المسبب الأول لحدوثه وتفشيه على اعتبار أن الجزائر لا تملك المصانع ولا الشركات العملاقة التي تجعل من اقتصادها قويا ولا من مداخيلها متعالية وترمي بنفاياتها عبر قنوات للبحر والأنهار وإنما كل مظاهر التلوث التي نراها وتسببت بطريقة أو أخرى في هذه المهزلة التي نعيشها هي من نتاجنا نحن بالأساس ثم المصالح المحلية كالبلدية التي تختص في ذلك نشاطاً، ثم إنه يحق لنا أن نتساءل عن إمكانية وجود أنواع أخرى من الكوليرا غير العضوية؟

كوليرا من نوع آخر:
الحديث عن الكوليرا في بلد بحجم الجزائر لابد وحتماً إلصاق الكوليرا العضوي بالكوليرا الاجتماعي والثقافي والسياسي، حيث هذا الأخير هو الذي من شأنه نشر الوعي والثقافة البيئية بإرادته القوية

نعم قبل بروز مرض الكوليرا العضوي بسبب التلوث البيئي لابد من وجود كوليرا يسبقه هو الكوليرا الثقافي والكوليرا القاتل للوعي والتحضّر الذي يحدث بسبب التلوث في الفكر والتلوث في القيَم الحضارية والواعية، هذا النوع من المرض الذي يصيب الأذهان والعقليات والذي يدفع بالإنسان إلى رمي نفاياته في أي مكان من الشارع دونما التقيد بقوانينه المعمول بها في المجتمع، إنه الكوليرا الذي يصيب العقل الانساني فيعيقه عن ملامسة كل ما هو حضاري وكل ما من شأنه أن يدفع المجتمع إلى الحفاظ على الصورة الجميلة للمدن والشوارع.

 

هلمّ معي أيها الانسان وقم بزيارة أي مدينة من مدننا وغص في شوارعها الجانبية فحتما ستلتقي أول ما تلتقي ويستقبلك تلك الأكوام من القمامة في الزوايا وأكثر ما تلاحظه تلك القارورات والعلب والبقايا التي يرميها أصحاب السيارات والمارة.. نعم إنها والله لنوع من أنواع الكوليرا بل سرطان مميت وفيروس ينتقل من الكبير إلى الصغير فيتوارثه الأجيال وتصبح ثقافة مجتمعية سلبية أقل ما يمكن أن نسميها المرض الاجتماعي الخبيث الذي حلّ بأمتنا .

إن الحديث عن الكوليرا في بلد بحجم الجزائر لا بد وحتماً إلصاق الكوليرا العضوي بالكوليرا الاجتماعي والثقافي والسياسي، حيث هذا الأخير هو الذي من شأنه نشر الوعي والثقافة البيئية بإرادته القوية، ولكن حتى يتسنى لنا ذلك لابد من وجود طبقة سياسية تحمل معان الوعي ومتشبّعة بالثّقافة وروح الخدمة العامة ومنتمية حضاريا واجتماعيا للمجتمع الذي تحكمه إلا أننا شأننا شأن أي بلد عربي متخلف بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ظاهر وباطن لا نملك لأنفسنا إلا الدعاء والعمل حسب قدر المستطاع لتوعية الناس وتشجيعهم على تثقيف أنفسهم والبحث عن سبل تنمية ذواتهم وذوات أبنائهم. فللجزائر ربها يحميها من كل وباء وداء ولعلّ هذا تنبيه لنا جميعاً بأن الأمر قد بلغ غاية كبيرة وجب على كل المخلصين وضع الأيدي في بعضها البعض والعمل على إعادة بناء الأمة واسترجاع مكانتها من جديد كقوة إقليمية حقيقية غير تلك القوة الوهمية التي تشبعنا بها من الخطابات الجوفاء والكلام السياسي المستهلَك والوعود الانتخابية الضيقة الدنيئة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.