قالو عنا متدينون!

blogs صلاة

التدين مصطلح حديث لمضمون قديم، في اللغة مأخوذ من كلمة دين، وهي كلمة جاءت بعدة معانٍ أهمها: التسليم والطاعة والانقياد، وأما التدين ومنه (متدين) فهو من باب تفعّل الذي من معانيه (الاتخاذ)، فيقال: فلان متدين بدين الإسلام، بمعنى مُتّخذٌ للإسلام دينا له، ولما كان (الدين) هو ذات التعاليم التي هي شرع إلهي، فإن (التدين) هو التشرع بتلك التعاليم، أي الانقياد والخضوع لها. أما التدين -بمعناه الاصطلاحي- هو التمسك بعقيدة معينة، يلتزمها الإنسان في سلوكه، فلا يؤمن إلا بها، ولا يخضع إلا لها، ولا يأخذ إلا بتعاليمها، ولا يحيد عن سننها وهديِها. ويتفاوت الناس في ذلك قوة وضعفا.

واليوم يصنف المجتمع المسلم أفراده من حيث الالتزام بالدين إلى متدينين وعاديين، وهو مجرد تصنيف مبتدع، يسعى إلى ترسيخه الفئة الأقل التزاما بدينها، في محاولة منهم لإقناع أنفسهم أولاً والمجتمع ثانيا بأنهم مسلمون عاديون مقبولون عند الله، وأن المتدينين هم الذين غير عاديين وأنهم يشددون على أنفسهم ويقومون بأمور زائدة عن الدين، وأنهم -كمسلمين عاديين- غير ملزمين بها.

وبسبب هذا التصنيف، يستطيع الشخص التارك لأوامر دينه إعفاء نفسه من الالتزام بأوامر الشريعة ورفع العتب عنها بحجة أنّه غير متدين، فلا يتوقع منه المجتمع أن يلتزم بكل ما أمر الله تعالى في كتابه وبهدي نبيه، ويظن أن لديه فرصة مفتوحة لارتكاب المحرمات، فهو غير ملزم بتمثيل الدين والامتثال له، لكن إذا ارتكب المتدين ذات المحرمات التي ارتكبها العادي، سلط المجتمع لسانه عليه تقريعًا واستهجانا، وتحوّل الفرد "العادي" إلى واعظ غيّور على دينه، أما هو فلا إثم عليه فيما ارتكب، فهو غير متديّن وقد رُفع عنه التكليف، وسوف يُعتق من النار ويدخل الجنة بمجرد الانتساب إلى الإسلام بالوراثة!

ويعتمد هذا التصنيف على معياران أساسيان للحكم على الفرد كمتدين أو عادي:

تكمن خطورة التصنيف بأنه جعل الالتزام بأحكام الشريعة التي جاءت إلى عامة الناس، محصورا على فئة محدودة من المجتمع هم فئة "المتدينين" وأسقطت التكليف عن الباقين "العاديين"!

المعيار الأول: المظهر الخارجي، وهذا هو المعيار الأكثر انتشارا لبساطته وسهولة اختباره، حيث تلعب فيه اللحية ونمط اللباس محورا أساسيا في الحكم على الفرد، فالشاب المتدين هو ذلك الملتحي الذي يرتدي لباس الصالحين ومظهره يراعي الضوابط الشرعية، أما الفتاة المتدينة فهي التي ترتدي الحجاب كما أمر به الله تعالى واجمع على صفته علماء الأمة، ولا تتبرج، أما الأخرون ممن لا تنطبق عليهم هذه المعايير فهم مسلمون عاديون.

 

المعيار الثاني: الأخلاق والتعامل مع الناس، في الوقت الذي يركز فيه غالبية المجتمع على المظهر الخارجي كمعيار أساسي للتدين، هناك فئة قليلة لا تكتفي بهذا المعيار، بل وتشترط في المتدين أن توافق معاملاته وعلاقته بالناس توجيهات الإسلام وأخلاقه، فلا تشفع له المعايير السابقة إن کان يغش في تجارته أو سيئ الخلق، وبالتالي فالمتدين لا يکفيه أن يکون صالحا في شکله وعبادته بل تدينه مرتبط بعلاقته بالآخرين، انطلاقا من قوله عليه الصلاة والسلام (الدين المعاملة).

في الواقع لقد أوجز النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة التدين بوصيته للصحابي سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه عندما سال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: (قل: آمنتُ بالله، ثم استقم) هذا هو جوهر التدين بالإسلام بكل بساطة: (قل: آمنت بالله)، يعني: حقق الإيمان في قلبك. (ثم استقم)، في أعمالك.. في عبادتك.. في أخلاقك.. في تعاملك مع الحياة.. مع الناس.

فلا أدري أي فكر هدامٍ دعى إلى القبول بهذا التصنيف المبتدع الذي لا يمت إلى الإسلام بصلة، فهو لا يدل إلا على سوء فهم خطير للعقيدة ولمفهوم التدين، وتكمن خطورة هذا التصنيف بأنه جعل الالتزام بأحكام الشريعة التي جاءت إلى عامة الناس، محصورا على فئة محدودة من المجتمع هم فئة "المتدينين" وأسقطت التكليف عن الباقين "العاديين"!، بينما في الواقع لا يوجد نص شرعي يحمل أمراً شرعيا خاصا بالمتدين وحده دون غيره، فأوامر الشريعة جاءت كخطاب عام وشامل لجميع المسلمين (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) لاحظ الصفة التي تخاطبنا بها الأية "مؤمن ومؤمنة"، وليس "متدين" و"متدينة"، فهي خطاب عام لكل من اعتنق الإسلام واستحب الإيمان على الكفر بأنه إذا جاءك أمر من الله فلا خيار أمامك سوى أن تتبعه لأن الخير فيه، فهذا جوهر الإسلام أن تسلم نفسك إلى الله تعالى وتستسلم لأوامره .

ورغم ذلك نجد فهما خاطئا يسود مجتمعاتنا حاليا هو الظن بأن الشريعة الإسلامية قد أوكلت بعض المهام لفئة محدودة من المجتمع هي المتدينين فقط، ومنها مهمة الدعوة إلى الله تعالى على سبيل المثال، أو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه أوامر شرعية كلف الله بها سائر المسلمين فلا يجوز لأحدهم أن يُعفي نفسه من هذه الواجبات المفروضة عليه لمجرد أنّه قرر أن يكون شخصا عاديا غير متدين! فما المتدين إلا عابد امتثل لأوامر معبوده ونواهيه التي قرر "العادي" أن يخالف بعضها وأن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض.

وقد بلغ الأمر من الخطورة إلى الدرجة التي أصبح فيها الفرد "العادي" يسمي من يمتثل إلى أحكام الشريعة الاسلامية على أنه  شيخ" حتى لو كان هذا الشخص لا يملك من العلم إلا إقامة الفرائض وتحليل الحلال وتحريم الحرام، فصار إطلاق اللحية، وإقامة الصلاة على وقتها وإحياء السنن النبوية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمورا زائدة عن الدين، إذا فعلها المرء صار شيخا متديّنا، وإذا تركها فهو مسلم عادي!

لابد أن نتفق على أن المعايير التي جعلتنا نصنف لابد أن نتفق على أن المعايير التي جعلتنا نصنف "المتدين" على أنه "شيخ" أو فقيه، لم تجعله كذلك، وإنما هي مجرد محاولة منه على الالتزام بدينه ليكون مسلما بحق أو سابقٌ بالخيرات
 

المؤسف أن من ساهم في ترسيخ هذا المفهوم أيضا هم بعض هؤلاء "المتديّنين" أنفسهم، فقد أحبوا هذه المنزلة التي يضفيها عليهم وصف "التديّن"، ولقب "الشيخ" الذي التصق باسمه وبات يناديه به زملاؤه وجيرانه أو حتى عائلته، حتى لو كان أجهل الناس بأحكام الدين وأصول الفقه، فهو فخور بهذه الرتبة العالية التي تجعل الأشخاص العاديين يستفتونه في أمور الدين، وفرح بهذا الصيت أنّه يخاف الله ولا يرتكب الحرام، وباتت شريحة كبيرة من المجتمع تنظر إلى كل شخص يتحلى بعلامات التدين من اللحية الشرعية وملابس الصالحين، أنه كائن يختلف عن بقية البشر، معصوم من الخطأ وارتكاب الذنب فالشيطان لن يجد إليه سبيلاً، وأصبح هذا المتدين يظن نفسه وصل إلى مستوى العلماء الذين أفنوا حياتهم في دراسة الفقه وأصول الدين ليتمكنوا من استنباط الأحكام الشرعية والإجابة على الفتاوى الفقهية، بينما هو لا يمتلك المقومات الحقيقية لذلك، مما يتطلب منا -كمسلمين- الحرص على أخذ الدين من نبعه الصافي (الكتاب والسنة)، ومن علمائنا الأجلاء الذين عُرف عنهم العلم والورع والحكمة.

وقد تتفاوت درجة تدين الأفراد بالمجتمع، وتختلف مستويات تعبدهم وخضوعهم إلى الله تعالى، وهنا يأتي التصنيف القرآني المحكم الذي صنف المتدينين بدين الإسلام إلى ثلاثة فئات (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر،32).

1- الظالم لنفسه: وهو مسلم لكنه قد ارتكب بعض المحرّمات وفرّط في بعض الواجبات، فمن أقام الفرائض وأحيا السنن وصام وامتنع عن المحرّمات ثمّ استغاب رجلا أو تعاطى الربا أو شتم مسلمًا؛ فهو مسلم ظالم لنفسه، عمل بمقتضى الإسلام في أشياء وخرج عن مقتضى الإسلام في أشياء، وهو أفضل ممّن ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج وانتهك المحرّمات وتعاطى الربا واخلاقه سيئة، فكلاهما خارج عن أحكام الإسلام وظالم لنفسه بقدر معصيته، لكنه ما زال متدينا بالإسلام وظلمه لنفسه لم يسلبه إيمانه بالله.

2- المقتصد: فهذا يأتي بالواجبات ولم يقصر في حق الله فيها، يترك المحرمات، لكن من الممكن أن يفرط بكثير من المستحبات والسنن، ويرتكب بعض المكروهات التي لم تصل إلى حد التحريم.

3- السابق بالخيرات: وهو الذي يزيد على فعل الواجبات فعلَ المستحبّات، وعلى ترك المحرّمات تركَ المكروهات. فهو لا يكتفي بالفرائض لكنه مكثر من النوافل ومن الطاعات، ومن أفعال البِر والخيرات.

هكذا صنف الله تعالى عباده المتدينين بدينه كل حسب عمله، وعليه لا بد أن نتفق على أن المعايير التي جعلتنا نصنف "المتدين" على أنه "شيخ" أو فقيه، لم تجعله كذلك، وإنما هي مجرد محاولة منه على الالتزام بدينه ليكون مسلما بحق أو سابقٌ بالخيرات، ومهما بلغت عليه علامات الصلاح وحسن الخلق فإنه يبقى فردًا من البشر مرتكباً من الخطأ والنسيان، وإن صلاحه أو حتى خطأه لا يبرر لنا تقصيرنا في ديننا أو ارتكاب المحرمات، فكل مسلم مطالب بما فُرض على غيره من المسلمين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة