شعار قسم مدونات

القط المسكين والعجوز الحكيم

blogs رجل عجوز

كان هناك رجل عجوز جالس على ضفة نهر، يتفكر في هدوء وسكينة، وعليه من الوقار ما يدل على وجود المكانة المرمُوقة والحكمة. وفي لحظة مباغتة، وهو في ترقب والعيون يمنة ويسرة، أَهْطَعَ بصَره على قطٍ قد انزلقت قدمه، ليقع فريسة نهر خان ناظِريه وسامِعيه، وإلى الأعماق محاولًا ابتلاعه وهو له في مقاومة مُسْتميتة، بدأ الخوف يتمكن من هذا القط المسكين، والقلب يدق مسرعا وكأنه أصبح ذبيحة نهر هائج غضبان وما هو إلا ساكن هامِد بلا عُنفُوان، حتى أصبح أسيرًا لمخاوف لا يدري نهاية مَآلِها، فكان له من الضُّغاءِ والأنين المَسموع، يتخبط بأرجل هي أقوى على الحجر من نعومة نهر جارٍ، محاولاً أن ينقذ نفسه من غرق محتوم، ولكن هي محاولات مَفادها الاجتهاد على البقاء خير من التسليم. 

قرر الرجل العجوز أن يكون هو صاحب الأماني والأحلام لهذا القط المسكين حتى ينقذه ويخرجه من هذيانه وكابوسه، فهَرَعَ سريعًا ليمدّ له يدَ الرحمة والرأفة، فلم يلبث أن يقدمها لهذا القط حتى استرجعها صارخًا من ألمٍ شديد جراء جرحٍ أصابه من خدشِ مخالب مسعورة. ولكن… لم يفكر هذا العجوز بجرحه أكثر من قلقه وشفقته على هذا القط المسكين، الذي أصبح هاجزًا له وكأن هذا النهر هو من الوحوش الكاسرة، يريد التهامه بأنيابه المُمَزِّقَة، وأضراسهِ الطَّاحنة، حاله في دنيا لا قوانين لها، ولا أخلاق تُهذِّبها، ولا شريعة أديان تَحُدَّها.

رجع العجوز مُسرعَا ليمد يده مرة أخرى لهذا القط ليُنقذه، ولكنه واجه ما حصل معه في المرة الأولى، فاعتراه وجعًا وألمًا، وصراخًا ووصَبًا. وفي لحظات معدودات، أعاد الرجل العجوز الكرة للمرة الثالثة، وفي خضم محاولات غائبة حقائقها، ومصيرها ومستقبلها، وما هو مغزاها ودلالتها، أمر فيه سِرٌّ وغموض، وواقع مستقبل مجهول، في خضم محاولاتٍ باءت بالفشل، وما زال الإصرار في تقدُّم بلا رجوع ولا هَوادَة، لا تثنيه عزيمة ولا يأس من رحمة المعبود.

يا بني، سوف تُصادف خلال حياتك الكثير من الناس قد تجرحك وتؤذيك تصرفاتهم، وقد تتفاجأ وتنصدم في كثير من الأحيان بمواقف حتى من أقرب المقربين إليك، لكن عليك أن تحافظ على طبيعتك الجميلة

وبعد العيش في هكذا لحظات.. جاءه صوت من مكان قريب، من رجل مُتقاعس قد استولى عليه ذُهول قلبه، يراقب حال هذا الرجل العجوز مع القط المسكين. سمع هذا العجوز كلمات كانت مألوفة فأصبحت غريبة، كلمات استهتار وعدم مبالاة، كلمات ساخرة وأنانية ذات، كلمات إنسان لا توحي له بإنسانية، حتى قال هذا الرجل للعجوز مستهزئًا بابتسامة ساخرة: أيها العجوز المسكين، ألم يأتك التنبيه من هذا القط صاحب الطَّيْش العنيد والشيطان المَريد، أنه يشكي المصيبة ويرجو المساعدة والرحمة، وهو منك خوفاً لا طُمَأْنينة، يُرِيَكَ الصَّفاء ويُوَليكَ الجفاء؟! حاولت كثيرا فلم يُذْعِن ولم يمْتَثِل، دعك منه فهو من أعرض وقاوم، واجتهد في المُنابَذَة ونَبا عن مودَّتِك، فليس عليك من تأنيب ولا لوم ولا تقصير.

لم يبالي هذا العجوز بكلام واستهزاء هذا الرجل، ولم يُثنيه سِهام الغَوى، ولا حُطام الرَّكبِ والعَوى. سعى جاهدًا على أن يُنقظ هذا القط رغم جراحه وآهاته وأنين صوته وآلامه، واستمر في طلب العون من المعبود، وأمله في ذلك ليس له آفاق ولا حدود. وأخيرًا… شاط العجوز فرحًا، وتعالت أساريره تغاريدًا وحلاوةً، لينال ما تمنى في إنقاذ هذا القط المسكين، الذي ظل يعاني ويأمل أن ينقذه أحد من عذابه الذي لا يستطيع التعبير عن مكنوناته، ينقظه من نهر آثر أن يكون له عدُوًا على أن يكون له صديقًا حميمًا، يتقرب إليه ليستمع صوت جريان مياهه، ويرى صفاءه وجماله وتدرجات ألوانه، ويتفكر ويكتشف أسرار حوضه وغرائب خَلْقِه.

وبعد الانتهاء من أحداث شاقة طويلة، أعقبتها سعادة ومسرَّة وبهجة، سلك العجوز طريقه باتجاه ذلك الرجل، حتى جلس بجانبه ورَبَّتَ على كتفه فقال: يا بني، منذ أن عرفنا القط ونحن نعلم أن من طبيعته أن يخدش، وأنا من طبيعتي كإنسان أن أعطف وأرفق وأحب، فلماذا تريد مني أن أنسى طبيعتي الجميلة التي خلقني الله عليها وأجعل طبيعة ذلك القط تتغلب علي، فأتجاهله وأدعه للنهر يأخذه إلى أجلٍ غير معلوم، فأكون هكذا قد سلكت طريقًا لا يكون مسلك الإنسان ذو العقل والفكر السَّوِي؟!

يا بني: سوف تُصادف خلال حياتك الكثير من الناس قد تجرحك وتؤذيك تصرفاتهم، وقد تتفاجأ وتنصدم في كثير من الأحيان بمواقف حتى من أقرب المقربين إليك، لكن عليك أن تحافظ على طبيعتك الجميلة التي جعلها الله فيك لتكون فارقًا بين الخير والشر، مختلفًا وصاحب عقل رزين وفكر سليم، تُميِّز أخلاقك الإنسانية عن الأخلاق الحيوانية. لا تجعل الأفكار الدخيلة على صفاء روحك، والأصوات المتعالية على صوت الحق، أن تجعلك تترك صفاتك الحسنة الجميلة لمجرد أن الشخص الذي تتعامل معه لا يستحق منك أن تُعيره اهتمامك، ولا حتى بالبُخلِ في اقتصار النظر على غيره وليس عليه، عامل الناس بطبعك أنت لا بطبعهم، ولتكن أنت نفسك ولا تفقِدها في خضم الكثير من الصفات السيئة، والتصرفات الغريبة والغير متوقعة التي قد نراها من بعض المقربين منا قبل غيرهم.

رجوعنا لإنسانيتنا هي التي ستُنقِذ أرواحنا، أو وعي عقولنا هو مفتاح رشاد خلاصنا، وأخلاقنا هي الحصن الحصين لسوء تصرفاتنا
رجوعنا لإنسانيتنا هي التي ستُنقِذ أرواحنا، أو وعي عقولنا هو مفتاح رشاد خلاصنا، وأخلاقنا هي الحصن الحصين لسوء تصرفاتنا
 

يا بني: عندما تعقد النية في أعمالك كلها لتكون لله وحده، سوف ترى في نفسك القوة في عمل الخير والتجاوز عن ضرر الغير، لأن سَعْيك سوف يكون للوصول إلى رضى المعبود، سوف يكون لك حينها كل صفة جميلة عِطر أخلاق فريدة، فتكون نورا ورحمة وسعادة لغيرك، فيكافؤك الله بأن يرسل لك ما يسعدك ويقف إلى جانبك في السرَّاء والضَّراء، فتأكد بأنه لن يكون جزاء الإحسان إلا بالإحسان، فالقلوب لا تشتاق ولا تَهوى إلا لمن كان صاحب أخلاقٍ جميلة ونوايا حسنة، فإسعادك لغيرك هي بحد ذاتها سعادة لك، إن كان من تربطك علاقة به يستحق معاملتك له أو لا يستحقها، فكلا الحالتين أنت تقوم على تمكين نفسك الطيبة، وتهذيب بعض خِصالِك المُسْتَنْكرة، فتكون لك الأخلاق العالية، لتتحدى بها صاحب دين هو للأخلاق نَكِرة ناكِرَة.

هي قصة القط المسكين والعجوز الحكيم، فيها أحداث وعبرة، وجمال معانٍ باهرة، فيها الحِفظ والإبقاء على الأصولِ، أصلٌ من أُصولِ الوُصول، هي أخلاق عظيمة من تعاليم الرسول، هي أخلاق جاءت في الرَّعيل الأوَّل مفتاحًا للقُلوب العُدول، هي لنا صفاتٌ يجب أن تكون، ولِغَيرنا مَفادُها لن نَكون كما أنتم ولن نَكون، هي جمال طبيعة إنسانية علينا لها المُثول، وليس الإذعان والرُّضوخ إلى من هم عكسنا في القُبول.

كم منا هذا القط المسكين، وكم منا هذا العجوز الحكيم، وكم منا ومنا ومنا هذا الرجل المستهزئ المغرور، الذي يقول نفسي نفسي وليس لي بأحد غيري، نفسي نفسي فأُنقِذها من التفكير في أحزان غيري، ألا يعلم هذا الرجل المسكين، أن رجوعنا لإنسانيتنا هي التي ستُنقِذ أرواحنا، أن وعي عقولنا هو مفتاح رشاد خلاصنا، أن أخلاقنا هي الحصن الحصين لسوء تصرفاتنا، أن ربط قلوبنا بعلام القلوب هو يجب أن يكون مَناصُنا ومَنْجانا، لنَصْرخ صرخة اللَّهْفان لنكون من الطَّلائِع المُفارِطَة لاسترجاع أرواحِنا، لعلنا نستفيق من غَرْغَرةٍ هي من الحُلقوم مُسْرِعة مُفرِطة، من غيبوبة أثقلت كاهِلنا المُخَدَّر في غيابات الضَّلال المُسْتَشْرِسة، ليكون قَوامُنا في نهاية طريق معلوم عواقِبه، وبدايته صراط قويم مجهول حقيقته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.