شعار قسم مدونات

لم أجد ما علمني والدي حقا!

blogs أب وابنه

أن تولد في عائلة كبيرة نعمة من نعم السماء وخاصة عندما تكون من صغار العائلة فتحيطك العائلة بخليط من المشاعر الإيجابية تتنوع ما بين الحب والعطف والحنان والتضحية والإيثار ويتسابق أفراد العائلة في خدمة بعضهم البعض على الأقل هذا في عائلتي وقد يختلف في العوائل الأخرى!

 

في بعض الأحيان تتخللها مشاعر سلبية كالغيرة والمنافسة والأنانية والحقد ولكنها لا تتعدى بسلبيتها أو غايتها سوى طمعا في كلمة لطيفة من الوالد أو قطعة أكبر من الحلوى من يد الوالدة أو لعبة مرتفعة الثمن، ومن ضمن منظومة العائلة التعليم الداخلي فيقوم الوالدين بتربية أولادهم على ما تربوا عليه بل وعلى قيم قد تكون أفضل مما تربوا عليه أو على أفعال حميدة لم يستطيعوا ان يفعلوها في فترة من الفترات، فطرة أبوية لا تتغير في أن يكون الأطفال أفضل منهما.

 

وشأني شأن الجميع كان والدي مصدرا من مصادر التعليم المنزلي منه تعلمت إكرام الضيف ومنه تعلمت أن الحرام بَيِّنٌ وأن الحلال بَيِّنٌ وأن كرسي المنصب كان لغيري وسيصبح لغيري فافعل ما يبقى ويذكر بخير وغيرها من النصائح في كل موقف يحتاج إلى خبرة والدي، أو إلى شخص يؤكد لي بان اتباع الحق أولى أن يتبع وإن كان مليئا بالشوك والمطبات، ولا أنكر بأني قد أخطأت مرات ومرات ولكن يبقى في داخلي ذلك الصوت الذي يدلني إلى الطريق الصحيح من الأمور فيقودني لأصل إلى هدفي.

 

كأن ما تعلمته قد سجل في كتاب المحرمات فأصبحت الناس تبتعد عنه ولا تقربه وأصبح من يفعل الخير غريبا بين الناس منبوذا خائفا ومن ينطق بالحق مصيره قطع اللسان

ومر الزمن وصرت أنا الوالد وصار عندي من ينتظر أن أقدم له النصيحة والإرشاد وأكون صوتا يساعده في حياته القادمة فاسترجعت الذكريات وسجلت الملاحظات وكل ظني أن العمل سهل وأن المهمة يسيرة عملية فما تعلمته سأنقله للجيل القادم ومن دورهم سينقلونه جيلا بعد جيل ولكني مع الأيام لم أجد ما علمي والدي حقا.

 

فكيف أعلم ابني بأنه عليه أن يلتزم طريق العلم والدين وأن يجتهد في عمله حتى يرتقي أعلى المناصب وأن يعمل خيرا ليرتقي في الآخرة أفضل المنازل، كيف أسأله ذلك وهو يرى أن من يحكم العالم لا علم ولا دين له وكيف أسأله أن يأخذ طريق الأخلاق الحميدة وهو يرى سالكها مهانا منبوذا ما بين الناس والناس قد عدمت أخلاقهم وكيف أقنعه أن يكون من القلة القليلة التي تعيش على المبادئ وتموت عليها ولا أحد يهتم بهم أو ينظر إليهم.

 

كيف أقنع ابني بأن ولاء الناس يجب أن يكون للحاكم لكي يقوده ومن معه من الناس لما هو فيه مصلحة البلاد والعباد، كيف أقنعه وهو يرى هذا الحاكم وزبانيته تحرم الناس من الماء ولكنها ترشقهم بها عندما يتظاهرون وتقطع عنهم الكهرباء وتوفرها للتعذيب في سجون مظلمة ولا يجد المواطن وسيلة نقل تنقله بكرامة إلا إذا كانت تنقله إلى حتفه أو إلى المعتقل!

 

وكأن ما تعلمته قد سجل في كتاب المحرمات فأصبحت الناس تبتعد عنه ولا تقربه وأصبح من يفعل الخير غريبا بين الناس منبوذا خائفا ومن ينطق بالحق مصيره قطع اللسان فلا أحد يسمع وإن سمع فلينقله لمندوب السلطة لا أكثر، كأنه حرب مستعرة على كل مفاهيم الخير والحق والصواب ولا ناصر لها سوى قلة قليلة تدعو بالقلب ولا قدرة على النصيحة باللسان والتغيير باليد.

 

امتحان صعب ولكن ما باليد حيلة فلا بد من ضوء الفجر لكي يظهر نهار الحياة ومع النظرة المتشائمة على ما ينتظرنا وما ينتظر أطفالنا، نظرة أمل بأن بعد العسر يسرا وإن كل أمة منكسرة تنتفض ولو بعد حين، وأن حريق الغابة يمنح الأشجار الصغيرة منفذا تتطلع فيه للشمس وتنمو، فعسى أن يكون حريقنا هذا بداية الشمس لأطفالنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.