الانقلابات العسكرية.. معضلة الشعوب العربية!

blogs السيسي و مرسي

أصبح من المعترف به خلال دراسة بناء الدول والأنظمة في عالمنا الجديد من بعد سلام وستفاليا عام ١٦٤٨، أن الانقلاب العسكري مؤشر لبدء انتقال المجتمع من تقليدي إلى عصري مروراً بمرحلة العصرنة التي ترافق دخول الحداثة إليه. دخل علماء الاجتماع والسياسة في جدال كبير، كيف ساهمت الانقلابات إيجاباً أو سلباً في تطوير المجتمعات. ومن الناحية النظرية، اتفق معظمهم أن الانقلاب ضرورة ملحة لكل مجتمع للانتقال إلى مصاف المجتمعات المتقدمة.

لم تكن دولنا العربية بمنأى عن هذا المسار الإجباري. فقد عصفت فيها رياح الانقلابات بعد ذوبان الإمبراطورية العثمانية، ورسم الحدود وحركات التحرر العربية. لكن ما تسببت به تلك الانقلابات، لم يكن في السكة النظرية لمجرى التاريخ. لا تزال تتخبط مجتمعاتنا ولا تزال دولنا معرضة بين الفينة والأخرى لهزة يصبح "العقد الاجتماعي" فيها محل تجاذبات وصراعات غير بنّاءة، تضع الشعوب في حيرة من أمرها: "هل نحن خارج مسار التاريخ؟".

قد يطول البحث في تفسير ظاهرة الانقلابات سيئة السمعة في دولنا العربية التي بدأت مع انقلاب عبد الناصر عام ١٩٥٢ في مصر ولم تنتهي بعد بانقلاب السيسي في مصر أيضاً، والتي يصعب كثيراً استخراج إيجابية واحدة استفادت منها مجتمعاتنا. ولكن بشكل سريع، توصلت مع عدم الغوص في هذا المستنقع الكبير، إلى عدة أسباب حالت دون النجاح في الوصول إلى مصاف الدول العصرية، مع إمكانية إضافة أسباب أخرى من قِبل الباحثين أكثر خبرة ومعرفة في هذا المجال.

يفرض الانقلاب معايير جديدة على المجتمع، قد تكون في أغلب الأحيان دخيلة عليه، ربما تتصادم مع عاداته وتقاليده، فينشأ صراع بين العسكر الحاكم والشعب، تصل ذروته إلى حروب أهلية مدمرة

قبل أن أعرض الأسباب، وحتى أستطيع توصيل الفكرة للقارئ، فإن "الانقلاب" الذي أتكلم عنه هو خروج قوة عسكرية عن النظام الحاكم ترى فيه عدم الأهلية، لفرض نظام جديد على المجتمع، فتقوي من قبضتها عليه لمرحلة معينة ومحددة ومن ثم تسلم الحكم لسلطة مدنية تؤمن بالتعددية وما تفرزه الانتخابات الحرّة. وانقلابات ما بعد سايس بيكو هي بالإضافة إلى ما سبق، هي محاولة تحديث المجتمعات وتجهيزها ل"عقد اجتماعي" جديد.

 

يفرض الانقلاب معايير جديدة على المجتمع، قد تكون في أغلب الأحيان دخيلة عليه، ربما تتصادم مع عاداته وتقاليده، فينشأ صراع بين العسكر الحاكم والشعب، تصل ذروته إلى حروب أهلية مدمرة؛ وإذا نجح في مواءمة تلك العادات والتقاليد والأصول بالحداثة، كما حصل في اليابان مطلع القرن الماضي، فلزم الأمر نظرياً بانتقال سلمي لبناء دولة مدنية عصرية متقدمة. طبعاً، فشلت تلك المحاولات في بلداننا العربية، للأسباب التي سأتحدث عنها.

تتصدر تلك الأسباب "غياب الهوية". فالحدود التي رسمتها اتفاقية "سايس بيكو" لم تراعِ بتاتاً الانتشار العرقي والإثني للمجتمعات، بل قامت بتمزيقها. ولا زالت كثير من دولنا تعاني من هذا التمزق. على سبيل المثال لا الحصر، القضية الكردية، التي شكلت تهديداً دائماً للعراق وسوريا وتركيا وإيران. مثل الدول التي تتصف بهذا التعدد، كاليمن ولبنان والسودان. غياب الهوية لم يقتصر على الخلاف العرقي والإثني، بل أيضاً تعدّاه إلى العِرق نفسه.

  

فموضوع الهوية كان محل تجاذبات التي وصلت إلى حد الانفجار في مصر، خاصة بعد ما يُعرف ب"الربيع العربي": مصر إسلامية بالدرجة الأولى أو عربية أو تتجسد في هوية وطنية موحدة لجميع المصريين في مختلف أطيافهم؟ غياب تعريف الهوية الوطنية، وخروج أفكار قديمة جديدة بالعودة إلى بناء "خلافة إسلامية"، تضع المجتمع في حيرة من أمره، وتخرجه عن مسار التاريخ حتى يحدد هويته ليعلم مستقبله.

العسكر الحاكم فشل في التعامل مع هذا الأمر بشكل موضوعي. فتغليف المدرسة التي تنادي بـ "الهوية الإسلامية" كهوية جامعة ونهائية، بغلاف الرجعية والتخلف والوقوف في وجه الحداثة هو خطأ تاريخي فادح. شئنا أم أبينا، فإن لهذه المدرسة مثقفين وأتباع ومناصرين، لا يمكن تجاهلهم، ولا يمكن الاعتقاد بإلغائهم. بل فتح المنابر لهم، وعقد المؤتمرات والحوارات معهم، كفيل في تضييق هامش الاختلاف معهم. يترتب على هذه الإشكالية غياب الاستقرار لكثير من الدول، فالعسكر الذي يوافق على نقل السلطة للشعب ليختار ممثليه، لا ينفك أن يغير رأيه عندما يرى النتائج لصالح "الإسلاميين"، فيعود لينقلب على الديمقراطية. هذا ما حدث في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي ومصر قبل عدة سنوات.

تجربة الانقلابات العربية أثبتت أن لكل انقلابي أيديولوجيا، يريد من خلالها أن يبني إمبراطورتيه، حتى لو كان يتفق مع انقلابي آخر، زميل له في الأيديولوجيا، في دولة أخرىتجربة الانقلابات العربية أثبتت أن لكل انقلابي أيديولوجيا، يريد من خلالها أن يبني إمبراطورتيه، حتى لو كان يتفق مع انقلابي آخر، زميل له في الأيديولوجيا، في دولة أخرى
 

في استحضار لتجربة تركيا في هذا المجال، عن الانقلاب بشكل عام، فقد استطاع أتاتورك، رغم أنه شخصية منبوذة عند المثقفين والعوام المسلم، النجاح بنقل بلده بعد الانقلاب إلى دولة مدنية. كان يطلب من العسكر في حال رغبتهم في الدخول في عالم السياسة، أن يقدموا استقالتهم من المؤسسة العسكرية لخوض غمارها. طبعا لهذه التجربة سلبيات عديدة، فالعسكر استمر في اتخاذ فكرة الانقلاب كخيار دائم، حتى فشل في محاولته الأخيرة ضد سلطة أردوغان الشرعية؛ ولكنه أحدث هزة سياسية لا زالت الحياة السياسية في تركيا متأثرة بها.

وبالعودة لعسكر العرب، فما أن قبضوا على الحكم، حتى شدّوا عليه بالنواجذ، ضاربين عرض الحائط مسار التاريخ، متسلحين بشعارات إما تحذير الغرب من "الإسلاميين" في حال فتح مجال التعددية والديمقراطية في دولة مدنية كما الحال في مصر والجزائر، أو بالتحذير الداخلي من العدو الصهيوني ومشروعه الاستيطاني وبناء "إسرائيل الكبرى" كما حصل ويحصل في سوريا.

تجربة الانقلابات العربية أثبتت أن لكل انقلابي أيديولوجيا، يريد من خلالها أن يبني إمبراطورتيه، حتى لو كان يتفق مع انقلابي آخر، زميل له في الأيديولوجيا، في دولة أخرى. الأمثلة لا تنحصر في بعثية صدام حسين وحافظ الأسد وهما أعداء، ولا في اعتبار القومية ناصرية انطلاقاً من القاهرة وليست عربية (عبد الكريم قاسم) انطلاقا من بغداد. الأمثلة كثيرة، ولا يمكن حصرها في تعداد المكائد والتدخلات بين مختلف الأقطار العربية، جعلت من الانقلابي وحش لا يرى في تجربته خلاص للشعوب، بل موعد لتسليم السلطة لابنه كي يتربع على عرش الدولة المتخبطة داخلياً.

كان من السهل على الانقلاب، قبل ارتفاع مؤشر التعليم والنزوح إلى المدن والحراك الاجتماعي، أن يفرض على المجتمع طابع جديد، حتى لو لم يكن يتناسب مع تقاليد وعادات الشعب؛ فقد كانت نسبة طبقة الفلاحين هي الأكبر في المجتمع العربي، يسهل التعامل معهم وفرض واقع جديد عليهم؛ خاصة أن طبقة المثقفين بمعظمهم يميلون إلى التواطؤ مع الانقلابي سعياً منهم للحصول على المناصب. أما اليوم ومع التحشيد الاجتماعي الهائل وانتشار التعليم وفتح مجال التواصل الاجتماعي من خلال صفحات التواصل وسهولة نقل المعلومة، فإن الأمر بالغ التعقيد والصعوبة، مما يجعل عملية نقل القطار إلى السكة الصحيحة أمر شبه مستحيل، فلا انقلاب سيُسوي الأمر، ولا فتح السجون سيكون الحل.