تعلمت أن الحياة مدرسة..

blogs-الحياة مدرسة

الحياة.. مدرسة. جملة مكونة من كلمتين، مبتدأ وخبر، لم أكن أعرف معنى هذه الجملة ولا أفهم ما مدلولاتها، ذلك أني كنت لا أزال تلميذاً في المرحلة الابتدائية وتحديداً في الصف الثالث. لقد كانت هذه الجملة ذات الكلمتين لها مغزى عميق وكبير، كنت كلما دخلت قاعة درس مادة اللغة العربية أجلس على المقعد وأرفع رأسي ناحية السبورة لأجد فوقها عبارة؛ الحياة مدرسة، فكنت أضحك كثيراً بعد قراءتها لأني لم أكن أستوعب أو أفهم معنى الحياة مدرسة؛ لأني أعرف مدرسة واحدة وهي التي أدرس بها، وأعلم أن للمدرسة مديراً أو مديرة، وأساتذة أو معلمين. لذلك وبحكم سن والطفولة كنت أتخيل هذه الجملة واتخيل من أساتذتها أو معلموها، فكان ينتابني ضحك كثير بعد خيالي الذي يذهب بي للتفكير في هذه المدرسة.

الحياة.. مدرسة ، لكن مع تقدمي بالعمر، وكذلك مع بدأ كثرة فهم مشاكل الحياة وهمومها. بدأ يظهر لي شيئا فشيئاً بعض الأمور عن معنى هذه الجملة التي لطالما ضحكت كلما دخلت حجرة درس مادة اللغة العربية. عرفت أن الحياة مدرسة فيها الفقير والغني، لكن الفقير لا يوجد من ينتبه له لأنه فقير إلا من رحم الله، فيطلب ود الغني، ويداس الفقير، يسمع لكلام الغني وإن كان جاهلا، ويعرض عن كلام الفقير وإن كان عالماً عرفت أن الحياة.. مدرسة. علمت بعد أن كنت أحسب أن الحي الذي أعيش به يوجد وحده في الدنيا، وعلمت أن الحي يوجد في مدينة، والمدينة توجد في بلد، والبلد يوجد على كوكب اسمه الأرض، وهذه الأخيرة توجد في كون شاسع لا حدود له وأنه صنع خالق عظيم. الحياة.. مدرسة، عندما صادفت أناساً انتهازيين، يصاحبونك لأجل مصلحتهم وليس لأجل الصداقة التي يدعونها، وعند انتهاء المصلحة، لا تكاد تجد أحداً في جنبك خصوصاً عند حدوث النوازل إلا قليلا. لقد كنت أحسب الناس كلهم طيبون ولا يكذبون، لا يخنون ولا يكرهون، لم أكن أعرف شيئاً عن الحياة فكل شيء أحسبه جميلاً، وأظن بالناس خيراً، لأن المدرسة التي درست بها تعلمت فيها احترام الناس كيفما كانوا.

عرفت أن الحياة.. مدرسة، فإذا كنت ذا قيم نبيلة وتعاملت مع الناس بتواضع ولين، ظن الناس أنك مغفل ساذج وما علموا أن الله قال لنبيه واخفض جناحك للمؤمنين.

تعلمت عبارة من إحدى التلميذات كنت سمعتها لأول مرة في حياتي وذلك خلال عرض نعده أمام معلمتنا (مفتاح) نعم لا أزال أتذكر اسمها وصورتها وابتسامتها التي لم تكن تفارق وجهها، العبارة التي لم ولن أنساها عن موضوع الرحمة، (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) لكن عرفت أن الحياة مدرسة عندما وجدت الناس بعيدون كل البعد عن معنى الرحمة، فالحياة.. مدرسة فيها ظالم وفيها مظلوم، والظالم لا يوجد في قلبه رحمة لأن ظلمه نابع عن ثقافة وتربية تربى عليها هذا الإنسان بكرهه لمن يخالفه، وسلبه أرضه تحت قهر القوة. الحياة.. مدرسة، عندما يصبح فيها الجاهل يسيّر أمور العالم، عندما يصبح الجاهل الذي لا يستطيع قراءة جملة يدير شؤون العوام فيما يعرف البرلمانات. الحياة.. مدرسة، حيث عرفت أن الشواهد العلمية تباع وتشترى من أجل شغل مناصب دنيوية عندما يتم تزويرها ليصبح هذا أو ذاك يحمل لقب دكتور، وذاك خريج ماستر وغيرها ممن همهم وشغلهم البحث عن المناصب لا عن العلم. ويداس أصحاب الطموح والعلم الحقيقيون، ممن لديهم أحلام ليس لأنفسهم بل حتى لغيرهم، فهم يريدون الخير لغيرهم كما يحبونه لأنفسهم. لكن القهر والاستبداد يقهر الطموحين، ويحارب أصحاب الأفكار والمبدعين.

نعم الحياة.. مدرسة عندما تعطى القيمة لما يرتديه الإنسان فيصنف بلباسه ومظهره لا بأخلاقه وتعقله وسلوكه، عند ارتداء لباس أنيق يهابك بعض الناس لما تلبسه ويحسبون لك مليون حساب، فيقدمونك ويتعاملون معك معاملة خاصة، والعكس صحيح، فإذا ما كنت تلبس لباساً لن أقول بالياً، ولكن عادياً ليس من الماركة الفلانية، أو المتجر العلاني، لا يلقي لك أحد بالاً، وربما قد يتم الإساءة إليك لمجرد أن لباسك ليس كمثل لباس الناس. وهنا تذكرت وليمة الأصمعي الذي قال للباسه كل، فلولاك ما دخلت الوليمة. الحياة.. مدرسة، تجد فيها المنظرين وأصحاب الكلام الذي يخلو من الصدق، يتحدثون فيه عن الصبر على الظالم، والصبر لمن لم يستطع الزواج ويمر به العمر. لكن لا يتحدثون عن الظلم الذي يتعرض له الشباب من بطالة وعن وساطة فلان من أجل منصب ما، وعن تقديم رشاوي من أجل العمل. فيطلب من المتضرر بالصبر والحق أن يطلب إعطاءه حقه. علمت أن الحياة.. مدرسة، عندما يصبح الطمع وسيلة من أجل الزواج، فيُقدم ذوو الأموال وإن كانوا جهالاً، أو بهم جميع الموبقات، بعد أن كان الصحابة يتزوجون بما عندهم من قرآن، بضع سور كانت مهراً لصحابية. أما الآن فيسأل عن كم لديك في حسابك البنكي، وكم من سيارة لديك، وما العمل الذي تعمله فإن كنت من أعيان هذا الزمن فيا مرحباً وإن كنت غير ذلك فلتبقى أعزباً.

الحياة.. مدرسة، يتحدث فيها المسلمون ويقولون أنهم مسلمون، وغالبيتهم إن سئلوا عن معنى الإسلام لا يعرفون الإجابة، إلا من رحم الله. يعرفون أن الخيانة محرمة فتجدهم يخونون، ويعرفون أن الكذب مبغوض عند الله ويكذبون، ويعرفون أن الزنا حرام، ويزنون. يتعاملون مع الأجنبي المتحضر كأنهم ملائكة، ومع بعضهم البعض كره وحقد وحسد. عرفت أن الحياة.. مدرسة، فإذا كنت ذا قيم نبيلة وتعاملت مع الناس بتواضع ولين، ظن الناس أنك مغفل ساذج وما علموا أن الله قال لنبيه واخفض جناحك للمؤمنين. وكذلك عرفت أن الحياة مدرسة عند معرفتي أن الإسلام شيء وتطبيقه شيء آخر، فالكثير منا ينظر وعند التطبيق لا تكاد تجد إلا القليل. الحياة.. مدرسة، عند معرفتي أن غالبية الناس لا ينبغي متابعتهم في كل شيء فإن أحسنوا نحسن، وإن اساؤوا نعلمهم ولا نتبعهم في إساءتهم، فالقرآن الكريم يشهد في الكثير من الآيات أن أكثر الناس (لا يعلمون، أكثرهم ظالمون، أكثرهم لا يفقهون وغير ذلك مما أشار له سبحانه).  وأخيرا الحياة.. مدرسة، فأساتذتها ومعلموها التجارب، ودروسها العبر والعظات، فكم من تجارب مرت علينا كانت قاسية تعلمنا من قسوتها، وكذلك هي حلوة تارة، ومرّة تارةً أخرى، فالحياة مدرسة لم تستقم لأحد حتى تستقيم لنا، ولم تدم من سبقنا حتى تدوم لنا، فصدق الله العظيم الذي قال عنها: "أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ "وستبقى الحياة.. مدرسة.