شعار قسم مدونات

الحب أفضل دواء عرفته البشرية!

blogs الحب

لمْ يمنَع السّنُ الطّاعِنُ ولا الهيبةُ السّياسيّةُ للمؤرّخ الإنجليزي الكبير "إدوارد جيبون" أنْ يركَع على رُكبتيه عندما مرّت أمامَه فلقةُ قمرٍ في مُقتبل العشرين وهو جالِس في مقصورته في القطار قائلًا لها: "اسمحي لي يا سيّدتي أنْ أؤدّي تحيّةً عباديّة نُسُكيّة لهذا الجمال الباهر والحُسن السّاحر الذي ما رأت مثلَه عينايَ يومًا". لا عجَبَ أنْ يكونَ الإنسان مركزَ هذا الكون عِوضًا عن الشّمس؛ إذْ أنّ ما تطويه ثنايا النّفسِ ودهاليزُ الرّوح أكثرُ تعقيدًا من تلك التّفاعلات النوويّة والانشطارات الهيدروجينيّة في لُبِّ الشّمس، ففي هذه النّفس التي بين جَنبي الإنسان احتارَ الفلاسِفة الأُوَل وسقَطت أمامَها حواجزُ الزّمان والمكان، ولم يكنْ لدى أيٍّ منهم تفسيرٌ واضِح عن ماهيّة المُعتقدات والمشاعر، وأثرِها الواضح على السّلوك البشري.

  

وفي ذلك قال الإمامُ علي عليه السّلام "تحسبُ أنّك جرمٌ صغير وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ". ولا ريبَ أنّ أكثرَ هذه المشاعِر غموضًا وتعقيدًا، ورأسُ الهرمُ في الخلود عبر التّاريخ رغم كلّ الشوائب والمنغّصات، وأكثرُ ما احتاجته الكائنات للدوام والبقاء هو الحُبّ، أو ما يُعرف بزاد الرّوحِ الأطيب. ليسُ الحُبّ حُفرةً ليقَع فيه روميو، ولا هوّةً لتطيحَ فيها عبلة كما قد نقلوا إلينا من أخبار العاشقين؛ بل سُلّمٌ روحيّ ومعراجٌ يرتقي فوقَ رؤوس الأشهاد وطائرٌ يحلّق بجناحيه وتحتَه كلّ الخلائِق، كلّ المكارِه، كلّ الأحقاد والضّغائِن، تحتَه كلّ شيء. إذًا ما هو الحُبّ؟ ولماذا نُحبّ أصلًا؟ وهل يعرِفُ الحُبّ فرقًا بين شيخٍ ناسِكٍ عابد وبين شابٍ شبيبٍ أمرَد؟ 

اتّخذت هذه الأسئلة مناحٍ فلسفيّة على مستوياتٍ عدّة، وتطرّق لها الفلاسفة وعلماء النّفس، وكلُّ ما خلصوا إليه كان أنّ الحُبّ أفضلُ دواءٍ عرفه البَشر منذُ أن استَقامَ ظهرُ الإنسان، بل منذُ الأزَل. ربّما عشقُ الإنسان الذّكاء وسَعة الفهم، وفضّله على العيون الزّرقاء والطّرف الكحيل، وربّما أُعجبَ بالفصاحة وبلاغة اللّسان فأغنَت عن الشَّعر الأشقر والجدائل الفاتنة، وربّما تعبّد آخرُ في محراب الجِمال فاكتَفى به، كحالِ "إدوارد جيبون" الذي ذكرناه آنفًا. أمّا أذا اجتمعَت خِصال النورِ كاملةً، كانَ نورُ ليلى نورًا على نورِ.

أسهَب حُجّة الإسلام وبدرُ التّمام أبو حامِد الغزّالي في كتابِه "إحياءُ علومِ الدّين" الذي أحيا به الله قلوبَ المتعلّقين بلألاءِ رحمتِه والنّاهلين من سلسبيل حُبّه وعذبِ نبعِه في وصف أحوالِ العِشق وموجباتِه

والعامِل المشترك الأكبر بين أيٍّ من الرّوابط هو أنْ ترى أحسَن ما في من تحبّ ثمّ تقارنه بأسوأ ما فيك، فتتبخّر أمامَك سلبيّاته ونقائصه، والمُحبّ لا يرى في محبوبه نقيصة؛ فهذا قيس أو مجنون ليلى كان هائمًا بها حدّ الخيال والعجيبُ أنّ ليلى هذه كانت عبدةً سوداء.. قصيرةً فوهاء.. في سواد عينِيها زُرقةٌ مُخيفة، لمْ يُرَ فيها أيُّ خِصلةٍ من خِصال الجمال المعهودة؛ فلماذا إذًا عشِقها، بل وعشق جُدران بيتِها. إنّ مِمّن أجادوا في تعريف الحُبّ وتفصيله، هو المِنطيق مُصطفى صادق الرّافعي؛ إذْ كانَت الرّوح جوهر حديثِه، وكان تعريفُه للحُب أنّه خطبٌ عتيقٌ خُطَّ في الأزل، تبدأ قصّته حتّى قبل الّلقاء.. هُناك حين تلتقي الأرواح.

أسهَب حُجّة الإسلام وبدرُ التّمام أبو حامِد الغزّالي في كتابِه "إحياءُ علومِ الدّين" الذي أحيا به الله قلوبَ المتعلّقين بلألاءِ رحمتِه والنّاهلين من سلسبيل حُبّه وعذبِ نبعِه في وصف أحوالِ العِشق وموجباتِه، وجاءَ الإخبارُ عنه كحالةٍ طقوسيّة ترتَقي بها الرّوح إلى عِلّيين. وفي النّصف الآخر من الكوكب، تطرّق الإغريقُ إلى تقسيمِ الحُبّ إلى مراتبَ عديدةٍ ودرجاتٍ مُختلفة، وفي تلكم الأحيان لم يكُن النّاس بعدُ قد جاوزوا الحُبّ الفطريّ الغريزيّ ذا الدّافع البقائيّ إلى ما وراءَه من العوالم الخفيّة والمشاهِد العليّة، فاقتَصر على الأبدانِ والأجساد، فكان للمنظور البهيميّ أقرب.

وعليه فإنّ الحُبّ واسع، أوسعُ من كلّ ما هو أضيق، يحوي الخلافات ويطوي النّزاعات، اللّغة الكونيّة المُشتركة، يُقدّم الدّين الكونيّ برسالة الرّحمة والمَحبّة، فكنّا نحنُ البشر فيضَ رحمةِ الله، وكنّا خُلفاءه المُحبّين كما أمر، بعيدًا عن الخطاب الدّيني المُستهلَك في تصوير الله مصدرًا للخوف والفزع، وهذه إساءةٌ ما بعدَها إساءة لذاتِه جلّ وعلا. إذا أحبّ العارفون، سمعتَ أنغامَ الحُبّ تُعزَف على أوتارِ الأشواق، وفي صداها العِرفان المُسربَل بمعانٍ أقفُ أمامَها باخِعًا عاجزًا عن الكتابة؛ إذْ أحبَّ قُطبُ الزّمان العارفُ بالله الشيخُ الأكبر والكبريتُ الأحمر مُحيي الدّين بن عربي ابنَة شيخِه زاهر، فكانت هيَ نظامُ بنتُ زاهر الأصفهاني.

إذا أحبّ العارفون، سمعتَ أنغامَ الحُبّ تُعزَف على أوتارِ الأشواق، وفي صداها العِرفان المُسربَل بمعانٍ أقفُ أمامَها باخِعًا عاجزًا عن الكتابة
إذا أحبّ العارفون، سمعتَ أنغامَ الحُبّ تُعزَف على أوتارِ الأشواق، وفي صداها العِرفان المُسربَل بمعانٍ أقفُ أمامَها باخِعًا عاجزًا عن الكتابة
 

فتاةً ما رأى اتّساق خَلقٍ ولا انتظام خُلُقٍ إلّا فيها، عينُ الشّمسُ والبهاء، ربيبةُ النّعيم، عليها مسحةُ مَلَكٍ كريم، وهيبةُ مَلِكٍ عظيم، العابِدةُ العالِمةُ السّائحةُ، شيخةُ الحرمين، جليسةُ البلد الأمين، ساحرةُ الطّرف، إنْ أسهبَت أتعَبت وإنْ أوجَزت أعجَزت، ولولا اختلافُ المقام لتغنّيتُ بما أودعَ الله في خَلقِها من الحُسن، وفي خُلُقِها الذي هو روضةِ المُزن.

وأحبّها الشّيخ حُبًّا جمًّا، أحبّها حتى اختلَفت أضلاعُه وتغيّر لونُه ورقّ عظمُه، وأصابَه لَبسٌ في عقلِه، أمّا خشيةُ الله ظلّت حدًا ما عَدَواهُ، ولأنّ نظام كانَت الكيّسة الفَطِنة، حُقّةٌ مختومة وواسطة عِقدٍ منظومة، كانَت هي بابَه الذي جاوزَه إلى مقام الحضرةِ الرّبانيّة؛ حتّى فتَح بابَ الحُبّ الأخير، وارتقى الرّتبة الأسمى، والدّرجة الأعلى، إلى أنْ طرقَ بابَ حُبّ الله جلّ وعلا.

كانَ هذا حالُ قُطبِ الشّأن الإلهي، وغوثُ الآنِ الزّمانيّ، من كان في يديه طلسمُ الله الأعظم، وقسطاسُ الفيض الأعمّ، الإمامُ محيي الدّين ابن عربي، ولكلٍّ من اسمِه نصيب، أمّا هو فقد كانَ كما يُنادى، مُحيي الدّين بحقّ، من أحيا به الله قلوب العاشقين، وأنارَ به ضمائر المُستنيرين، حتى إذا خافَ ألّا تُـقبَل محبّته، أو أنْ يَخذُلَه عملُه، أخذ يُردّد.. "إلهي.. ما أحببتُكَ وحدي، لكن أحببتُكَ وحدَك".