بدايتي مع الكتب.. كيف صرت قارئا؟

blogs كتاب

لم أستطع أن أصل إلى درجة كاتب، أخذت القلم والمبراة والدواة، ارتجف جسمي، واهتز عقلي، عندما خططت أول حرف، كان حرف الالف، توقفت، نظرت حولي كأن أحداً ما يناديني، إنه ضميري، بإشارة من عيني أستفهم الأمر، وأخيراً تكلم: أتريد أن تصير كاتبا؟ ولم لا؛ فالكتابة صديق لا يخون، وكلنا في حاجة إلى صديق. هناك شروط وعهود للكتابة، ولتكون ذا شأن يجب أن تلتزم بها، ألم تر الكثير من الكتاب سطع نجمهم مع الكبار؟ لأنهم التزموا بتلك الشروط، خذ بالشرط إذاً لتصل. بالله عليك أخبرني ماذا أفعل! اقرأ. كيف؟ يجب أن تقرأ الكثير، املأ عقلك بالحروف والكلمات.

تركت القلم جانباً، ورجعت إلى نفسي اتهمتها بالكسل والخمول، كيف لها أن تجلس الساعات بدون أن تدفع بي إلى المكتبة، آخر مرة قرأت فيها كانت قبل ثلاثة أيام خلت، بدأت القراءة في سن متأخرة، كان ذلك جراء مشاهدة أصدقاء يجلسون الساعات أمام روايات أو كتب لمفكرين عالميين. شغف القراءة ملأ لبي منذ الصغر، لم يكن لدي كتاب لأقرأه، ولا كانت توجد مكتبة ببيتنا، لم أرى أحداً من أهلي يحمل كتاباً في يديه منذ أن بدأت أعرف القراءة في (المسيد) شجعني شيخي الذي حفظت على يديه القرآن بقوله: الكتاب بحر، عندما تغوص فيه لا ترى إلا الجواهر، وكلما زاد عمقك زادت قيمة الجواهر).

أربع سنوات مضت على بدايتي، الآن وبحمد الله أستطيع أن أقرأ رواية أو كتاب كيف ما كان الحجم، صرت أختار المكان المناسب للقراءة، صرت أشغل وقتي بالقراءة.

مر عقدين من الزمن ولم أقرأ كتاباً كاملاً إلا كتاب الله، دخلت يوماً أحد أقسام الداخلي بالمدرسة، رأيته، نعم كان يحمل رواية مهترئة أوراقها، قرب النافذة كان يقرأ بضوء الشارع، أغلقت الباب خلفي، ولكن فتح باب آخر داخلي. قبل أن أنام تلك الليلة فكرت كثيراً، ربما لحد البكاء، لم أنا لا أقرأ؟ ولماذا لا أملك كتاب باسمي؟ عدة أسئلة طرحت وعدة أفكار نسجت تلك الليلة، في الغد ذهبت للمكتبة، ماذا أشتري؟ لا خبرة لي، لا أعرف عنواناً من قبل، كنت أمياً، نعم أميّ. بدأت أنظر إلى العناوين المتناثرة أمامي يميناً وشمالاً، أوقفني عنوان، ربما سمعته من أحدهم أو رأيته في مكان ما (كليلة ودمنة) أحسست بنشوة غريبة. كان أول كتاب أقتنيه، وأول كتاب أبدأ بقراءته، بدأت بالقراءة، لم أكن أفهم شيئاً، عرفت فيما بعد أنها كانت ترجمة ابن المقفع، أحسست بالملل، تركته.

سألت صاحب الرواية الممزقة: أريد أن أشتري كتاباً أقرأه، بماذا تنصحني.؟ كانت روايتا المنفلوطي؛ الفضيلة، وماجدولين، أول ما نصحني بقراءتهما. بعد ثلاثة أيام كنت انتهيت منهما، كنت تعلمت شيئاً جميلاً وهو أن الكتاب يسمى الرواية، اشتريت واحدة من تلقاء نفسي؛ فتاة القيروان، لجورجي زيدان، هنا بدأت أقرأ كان عمري واحد وعشرون سنة، وقراءة من كبر في السن ليس كالصغير، فقد أوصى لقمان الحكيم ابنه بقوله: يا بني ابتغ العلم صغيراً، فإن ابتغاء العلم يشق على الكبير، يا بني إن الموعظة تشق على السفيه، كما يشق الوعر الصعود على الشيخ الكبير. (من كتاب قمة الزمن ﻷبي غدة صفحة 233).

قراءتي الأولى كانت تدريباً، لم أكن أفقه شيئاً، سمعت أو قرأت شيئا في يوم ما: اقرأ الكثير والكثير وبعدها سيأتي الفهم من تلقاء نفسه. الحمد لله مع مرور الوقت بعد ثلاث سنوات، صارت لي مكتبة، نعم مكتبة ليس بالحجم الذي تتخيله، ولكنها تحمل أكثر من خمسين عنواناً. أربع سنوات مضت على بدايتي، الآن وبحمد الله أستطيع أن أقرأ رواية أو كتاب كيف ما كان الحجم، صرت أختار المكان المناسب للقراءة، صرت أشغل وقتي بالقراءة. نصف حلمي تحقق، والنصف الآخر يكمن في الفراغ الذي يملأ عقلي. هي بداية فقط ستجدون الأمور صعبة، ستحسون بالملل يتسرب إلى قلوبكم وعقولكم، بالإرادة تستطيعون أن تصبحوا قراء، كتبت هذه الأسطر لأنصح بها نفسي ثم لمن أحبهم، للذين يقولون: لا أستطيع أن أتمم صفحة واحدة، أشعر بالملل بالضيقة؛ قبض النفس في الصدر، لمن أراد سيصل.