شعار قسم مدونات

تأملات حول وقفة عرفة..

blogs عرفات
جبل عرفات (رويترز)

حياتنا كلها متشابهات، لا أحد منا يختلف، كلنا ولدنا ولنا عمرًا محددًا، نقضيه في غيابات هذه الدنيا، ولنا يومًا نلقى فيه فنائنا. هذا السيناريو الممتد إلى أن يشاء الله هو قصة كل واحد فينا، لكن الاختلاف يبدأ بالفكر بالشكل واللغة وحتى بعض الأيام المختلفة قد تعيدُ نفسها! لكن في هذا الطريق الذي لا نعلم فيه إلا وقتنا الحاضر فقط واللحظة الحالية التي يعيشها كل واحد منا هناك اختلافات كثيرة وممارسات بين جميع البشر تختلف لكل إنسان ولكل نفس تسير في هذه الحياة حتى تبلغ المنتهى.

هنا عليك أن تفكر أن في طريقك للأخرة أنك لستَ وحدك من يعيش مكابدة الدنيا، فلكل إنسان حربه الخاصة مع هذه الدنيا ولكل إنسان ابتلاءات كثيرة يخوضها ويتكبدها ويساير نفسه ويصبر ويتصبر كلٌ حسب ابتلائه، والابتلاء هو معبر شاق لم يسلم منه حتى الأنبياء، ولا يعود البلاء على صاحبه إلا بخير، فإن كان عقابا فهو كفارة وبالتالي محبة من الله للعبد، وأن كان مبتلاً حبًا من الله فهو رحمة، فالأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل، وهذا الحب كله للتطهير حتى نليق بالجنة. لا أحد معصوم من هموم الدنيا ولا أحد معصوم من أحزانها وكدر العيش فيها ومع ذلك لا أحد محروم من أفراحها فالأيام تتداول بين ناس كما في قوله (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس) ليعلم الله حزبه في هذه الدنيا ومن يجاهد لأجله في جميع أشكال الحياة.

وهنا لُبُّ الموضوع فنعلم أننا كُلنا ذاك الشخص المذنب المسيء والعاصي الذي يتخبط في ظُلمات المعاصي وما اقترف في حق الله حين أساء التعايش فيما يرضي الله حين غلبته نفسه الإمارة بالسوء حين سمح لكيد الشيطان الضعيف أن يتغلب عليه، هكذا نحن تدنوا منا الفتن في كل مكان في الطرقات وفي مواقع التواصل وغيرها الكثير، وكل مفتونٍ إن لم يردع نفسه عن الفتنه حين تزينت له وقالت هيت لك فهو مذنب، وحين يقع الذنب وتبدأ النفس بالاشتعال واللوم ويتخبط صاحبها ويقول أين عقلي مني حين عصيت الله، وتبدأ النفس من هنا وتبدأ وساوس الشيطان تحاك حوله بأن يقنط من رحمة الله وقصده فيها إلا تعترف بمعصيتك لله كما لم يعترف هو بذنبه، يبدأ فيقول يظنّك الناس من خيرة العُبّاد وانت الفاجر العاصي تظن أن الله يحب هذا النفاق لربما ختم على قلبك ولا مجال للتوبة فأنت عصيت وبعصيانك اليوم أنت انتهيت!

لا تقنطوا فهذه أيام من أيام الله هي من خيرة الأيام وأحب الأعمال فيها إلى الله من أي أيام، ففيها تزداد الحسنات وتتضاعف وتقل السيئات

لكن لا يقنط من رحمة الله إلا الضالون، فباب التوبة مفتوح في كل حين ولتتذكر حين عصى آدم ربه تاب وآناب إليه في وقتها أي بعد الذنب مباشرة (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) وهنا كان الفرق بينه وبين إبليس الذي أصر بالاستكبار على الذنب وعصيان ربه، فهل تصنع صنيع ابيك من قبلك أم صنيع من هو عدو لك ولربك؟!

فلا تقنطوا فهذه أيام من أيام الله هي من خيرة الأيام وأحب الأعمال فيها إلى الله من أي أيام، ففيها تزداد الحسنات وتتضاعف وتقل السيئات، يوم أشهد الله ذرية آدم على ربوبيته فيها وما من أحد إلا وشهد، إنه يوم عرفة يوم تكفر فيه سنة ماضية وسنة قادمة وأي خير هذا قد ينزل على أهل الأرض من سابع سماء يوم قال فيه الرسول صل الله عليه وسلم: (وخير الدعاء دعاء يوم عرفة) يوم يكثر فيه العتق من النار وفيه قال الرسول: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة).

فمن لم يدرك ليلة القدر ويخاف أن لم تدركه العتق من النار عليكم بهذا اليوم فهو في النهار من شروق الشمس إلى مغربها لا يحتاج أن تكابد الليل فيها، فيها يباهي الله بأهل عرفة أهل السماء (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء) كيف لا وقد أقسم الله به (والشفع والوتر)، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم فلا تقنطوا ارفعوا رايات التوبة واطلبوا المغفرة والعفو والعتق من النيران وادعوا بمصاحبة الأنبياء والصدقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ادعوا بما تحبون ولمن تحبون فعادة الدعاء الجميلة أنك ولك بالمثل فيها، مهما بلغت ذنوبك عنان السماء لا تنسى قوله (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.