عندما يتعقّل القلب!

BLOGS تفكير

كم من صراعٍ خُضناه ما بين تياسُرٍ القلب وتعاسُر العقل، في خضَمّ قرار مصيريّ نريد اتخاذه، وكم تخبّطنا في هذه السيادة المتبادلة، ترى القلب يشكو برود وجمود العقل تارة، والعقل يزعم أن القلب يراهق ويتهاون تارة أخرى، اعتقادا منّا بأنّ العقل يسلك دربا يرتئيه المنطق وبأنّ القلب غارق في غياهب اللامنطق. في بعض الأحيان تملّكتنا عشوائية الاختيار ونزعة لنُصرة العاطفة، وفي أغلبها استبد العقل على القلب كما خُيّل لنا، وليس من الغريب حينها شعورنا بنشوة النصر بأننا استطعنا إخناع وتطويع القلب الذي يجهش بالعواطف. كل ما سبق ما هو إلّا نتيجةٌ لمنظومة التثقيف في مجتمع روّض تفكيرنا بأن (العقل هو كل شيء) غوتاما بودا، وأنه جوهر الفوز والنجاح. لكن ماذا لو تجرّدنا قليلا من هذا الموروث الفكري العتيق، واستقصينا في ماهية هذا العضو المستتر بالتُّأمر، علّنا نستطيع أن نزيح عن كاهلنا عبئاً ثقيلا.

على مرّ سنوات عديدة، درس العلماء هذا العضو الجوهري، وحصروا وظيفته بضخّ الدم لجميع أجزاء الجسد لا أكثر ليُبقيه على قيد الحياة. ولكن حصره بتوصيفات محدده يتنافى مع المكانة السياديّة التي يعتريها القلب ومنحته إياها الكتب السماوية، وهذا ما استنبطه العلم فيما بعد بأفاقه المفتوحة التي تتسع باضطراد. فبعدما رصَد الأطبّاء تغييرات جذرية في عقيدة وأفكار وطبائع مريض زُرِع له قلب من شخص آخر، اشتعل فتيل التساؤل عن مدى صحة حصر القلب في وظيفة منفردة، وهذا ما دفع بول بيرسال لدراسة هذه الظاهرة ليُبرهن أن هنالك ما لم يُكتشف بعد عن القلب، وليدحض جميع الفرائض التي طوّقته بوظيفة واحدة.

 

وتوالت البراهين والحجج والنظريات التي أثبتت أن القلب يتألّف من 40000 خلية عصبيّة، أي أن باستطاعتنا القول بأنه يحتوي على دماغ مصغّر، ليس هذا فحسب، بل إن خلاياه تمتلك ذاكره تدخر المعلومات والاحداث والذكريات، بل وتنظم مناعة الجسم عن طريق نظام معقد تبث عن طريقه الاوامر مع الدم، إضافة لذلك، هو يمتلك نظام كهربائي خاص به ومجال كهرومغناطيسي أقوى من الدماغ بعديد من المرّات، وهذا ما يجعله قادراً على بث ترددات تؤثر على الدماغ وتوجهه في عمله وتُعتبر بمثابة أوامر له. لذلك، ليس عجيباً إثبات العلماء أن القلب هو مركز العقل في الجسم، وهو ما يدحض جميع النظريات التي تنص على قيام صراع بينهما ويثبت أن دور هذا العضو الذي يُعدّ موطناً للغرابة، دور يفوق بكثير ما اعتقدناه قديماً.

إنه المعجزة الربّانية المخبوءة في أعماقنا، إنه المُضغة التي إذا صلُحت صلُحَ سائر الجسد، هو سرُّ الفوز والفلاح، إنه القلب الذي يدبّر، الذي يعقٍل، الذي يفقه، والذي يؤمن

حقيقة، هذه الاكتشافات العلمية المتعلقة بالقلب، ليست بالحديثة، فهي ليست إلّا دليل محضٌ على المكانة السيادية المركزية التي منحها الله جلّ جلاله للقلب، وهذا ما ورد ذكره في معجزة الأنبياء والمرسلين، محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، القرآن الكريم، حيث ورد ذكر القلب في مواضع متعددة بلغ عددها 148 مرة، أبان الخالق بها الوظائف التي يقوم بها عدا عن كونه فقط مضخة للدم. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى: يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)، سورة الشعراء، حيث تُوِّج القلب هنا بمكانة مصيرية بحتة بتحديده مآل الانسان في آخرته.

 

وفي قوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا) الأعراف 179، برهان آخر على أنه يُناط بالقلب مهمة التفقّه والتبصّر والإدراك. وأخيرا، في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ) الحج 46، حجّة وجزمٌ بيّن، بأنّ القلب هو مركز العقل وسيد البدن. وعلنّي لم أجد أبلغ مما قاله ابن القيّم لأُعربَ عمّا يجول في خاطري، عندما قال: (الصواب، إن العقل مبدأه، ومنشأه في القلب، ومزرعه وثمرته في الرأس)، فحين يحب القلب، يأمر العقل برؤية جميل من يحب، وعندما يمقت، يأمر العقل ببغض من يكره، أما الدماغ، فهو خادم مطيع له.

إنه المعجزة الربّانية المخبوءة في أعماقنا، إنه المُضغة التي إذا صلُحت صلُحَ سائر الجسد، هو سرُّ الفوز والفلاح، إنه القلب الذي يدبّر، الذي يعقٍل، الذي يفقه، والذي يؤمن، مناط التكليف ومركز البصيرة واللُّبس، اليقين والشكّ، اليقظة والغفلة، إنه الهدية الربّانية التي أودعها الله داخلنا، بديع الصنع جلّ جلاله، الذي ابتدع أجسادنا لتعمل بتكامل لا متناهي وسيادة متبادلة، لا في تنازع يُنهك قوانا، بل في ائتلاف وانسجام وتوافق ووئام يُضفي السكينة والسلام على أرواحنا.