رسائِل عربية إلى نزار قبّاني

blogs - قياني

يا ابنـة العمّ.. والهوى أمويٌّ

كيف أخفي الهوى وكيف أُبينُ

هل مرايا دمشق تعرفُ وجهي

من جديدٍ أم غيّرتني السنيـنُ؟


دمشقُ ما عادتْ تَعرفُ نفسَها يا نزار، قدْ بدَّلتْ نسبَها الأُمَويّ وأنكَرَتْ تاريخَها العربيّ وأشعلتْ النيرانَ في أثوابِها المنسوجةِ من خيوطِ قصائدِك. دمشقُ ما عادت مدينةَ الياسمينِ التي تعرفُها، فالياسمينُ يلفِظُ أنفاسَهُ الأخيرةَ في عتمةِ زنازينِها. وما عادتْ كنزَ أحلامِك ولا يهمُّها شكواكَ لها عَنِ العروبَة، فقد باعتْ كلَّ كنوزِها لتشتري قنّينةَ فودكا روسيّة تقدّمُها على طاولةِ كِسرى، وأجَّرتْ زواريبَها وأزقَّتها لشُذَّاذِ الآفاقِ القادمين من أجلِ الثأرِ وهي لا تَدري أنَّ ثأرَهُم سيبدأُ بها. وما عادتْ مدرستُكَ مرتَعَا للعِلمِ والطّبشورِ والكتبِ فقد حوَّلتْ جميعَ مدارسِها إلى سجونٍ ومعتقلاتٍ، يُعذَّبُ فيها الفلُّ والياسمينُ حتّى الموت، ذلكَ الموتُ الّذي فرَّ منه الليلكُ ليَلقاهُ في مركبٍ غارقٍ وسطَ البحر

مُـدّي بسـاطيَ وامـلأي أكوابي

وانسي العِتابَ فقد نسَـيتُ عتابي

عيناكِ، يا بغـدادُ، منـذُ طفولَتي

شَـمسانِ نائمَـتانِ في أهـدابي

بغدادُ لمْ تراعِي أنَّكَ يوماً مَا مررْتَ بِها مُسَلِّماً وأهدتْكَ حينَها نخلةً عراقيّة، فقدْ أعلنتْ مسؤوليتَها عن اغتيالِ تِلكَ النّخلة في ذاتِ المؤتمرِ الصحفيّ، الّذي أعلنتْ فيهِ عن تَخلّصِها من عهدِ الدّكتاتوريّة ودخولِها عهد الحريّةِ والديمقراطيّة بحضورِ مَبعوثٍ إيرانيٍّ ودبَّابةٍ أمريكيّة، لتُلقيَ بعدَها القبضَ على السّنابلِ بتهمةِ الانتماءِ لحزبِ العَطَاء، و تُعلّقَ مشنقةَ العنادلِ بتهمةِ ارتكابِ فاحشةِ الغِناء، وتنفيَ الشَّمسَ خارجَ البلادِ بسببِ إصرارِها على البَقَاء، وتتابعَ بعدَها خُطّةَ اغتيالِ جميعِ أشجارِ النّخيلِ بسَحابةٍ مفَخَّخةٍ تقودُها رياحٌ مجهولَة. 

يا ستَّ الدنيا يا بيروتْ..

يا حيثُ الوعدُ الأوّلُ.. والحبُّ الأوّلُ..

يا حيثُ كتبنا الشعر..

وخبّأناه بأكياسِ المُخملْ..

بيروتُ التي عشِقتَها لم تعدْ تَطْربُ لسَماعِ قصائدِ الحُبِّ، ولم تعدْ عروسةَ الأدبِ العربيِّ ومُلتقَى فرسانِهِ وأميراتِه، فقدْ غادروا جميعاً بعدَ توقّفِ أُمسياتِهم لعدمِ توفّرِ ميكرفونات شاغِرةٍ بعد أنْ وزَّعتْها على آلاف السّياسيّين. وأصدرتْ قراراً بإلغاءِ جميعِ حفلاتِ البَلابِل لصالحِ الحفلاتِ السّاهرة الّتي تُحيِيها الدّيكة، وقامتْ بتحويلِ دورِ النّشرِ والطّباعةِ إلى مكاتِبَ لتَرويجِ الحَشيشِ، وتحوَّلتْ أكبرُ حروبِها من مواجهةِ العدوّ الكبيرِ إلى مواجهةِ أزمةِ القُمامة.

يا مصر

يا قصيدةَ المياهِ، والجسور

والمآذنِ الورديّة

يا زهرةَ اللوتس

يا كتابةً زرقاءَ فاطميّة

أيّتها الصابرة، الصامتة

الطيّبة، النقيّة

أيّتها القاهرة المقهورة

الضعيفة، القويّة

والقاهرةُ أَيا نزار، ما عادتْ قاهِرةً إلّا لتاريخِها الّذي باعَتْه في السّوقِ السوداءِ بالعملةِ الصّعبةِ لتَشتَري بِه عَرشاً لفِرعونَ الّذي بُعِثَ فيهَا مِن جَديد، وحاكتْ فيما تبقَّى زيَّا عَسكريَّا ترتديهِ صباحاً لتُعلنَ حالةَ الطوارئِ والجهوزيةَ التّامّةَ للدّفاعِ عن مُقدَّراتِ الوطنِ. وتعود مُنهكةً من إلقاءِ الخُطَبِ الحماسيّةِ وتنفيذِ الأحكامِ العُرفيّةِ، لتجلسَ مساءً على طاولةِ المفاوضاتِ وتناقشَ في جلسةٍ سِريَّةٍ أسعارَ الأرض صحراءً وجُزُراً، وتُقايضَ على حصّتِها في مياهِ النّيلِ مَع إصدارِ أمرٍ بإلقاءِ القبضِ على الأرزِّ بتهمةِ استهلاكِ المياهِ.  وترسلَ آثارَها في رحلةٍ سياحيّةٍ طويلة الأمدِ إلى متاحفِ العالمِ الأوّل، وتوصيَ بضرورةِ حفظِ العهودِ والمواثيقِ في حُسنِ الجوارِ مع الغِربانِ، مع التأكّدِ من إغلاقِ القفصِ بإحكامٍ على الحَساسِينِ المُتمرّدةِ الحالمةِ بالحريّة.

يا قُدسُ، يا مدينة تفوح أنبياء

يا أقصر الدروبِ بين الأرضِ والسماء

يا قدسُ، يا منارةَ الشرائع

يا طفلةً جميلةً محروقةَ الأصابع

لن أخبرَكَ شيئاً عنِ القُدسِ، أجزمُ أنّكَ عرفتَ حالَها مِنَ الرّسائلِ السّابقةِ، وتَعلمُ أنَّها تتجهَّزُ لحضورِ حفلةٍ بمناسبةِ "صفقةِ القرنِ" بفستانٍ أشْرفَ على تطريزِهِ جميعُ أصحابِ الفخامةِ والجلالةِ والسّيادة، وبعَربةٍ يجرُّها صراعُ أَخَويْهَا وخذلانُ أقربائِها الّذين يرقصونَ "الكيكي" في موكبِ تشييعِ العروبةِ إلى مثواهِ الأخير.  

وبسببِ ذلكَ كلِّه نحنُ الآنَ يا نزار:

مواطنون.. دُونَما وَطَنْ

مُطَاردُونَ كالعصافير على خرائطِ الزَمَنْ..

مُسَافِرُونَ دُونَ أوراقٍ

ومَوتى دُونما كَفَنْ.