السجن.. مِحنةٌ بداخلها مِنح!

blogs - سجن

ليس كُلُّ سوءٍ سوءاً محضاً، فكم من أمورٍ تظنها سوءاً وما تلبث إلا وتعلم أنها تحمل من الخير الكثير، وكم من أُناسٍ أحالوا المحنَ مِنحاً وصنعوا بها المعجزات، من هذه المحن على سبيل المثال السجن، ففترة السجن كانت فترة تغيير جذري ومحطة فارِقة ونقطة تحول في حياة الكثير من المفكرين والمثقفين والعلماء، بل وحتى النبي يوسُف عليه السلام لو لم يُسجن لما عرَف لمنصِب -عزيز مصر- طريقاً.

فالشهيد سيد قطب رحمه اللّه المفكر الإسلامي الكبير، قد جعل السجن نتاجاً إسلامياً لمؤلفاته، فخلال فترات بقائه في السجن أخرج كتيب هذا الدين والمستقبل لهذا الدين. عمل على إتمام أهم ما كتبه: تفسيره الشهير في ظلال القرآن وكتابه معالم في الطريق.

الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش، فقد ألف في الفترات المتفاوتة التي قضاها في السجن أبرز نتاجه الفكري وهو الإسلام بين الشرق والغرب

والمناضل المثقف الأمريكي مالكوم إكس، فترة السجن أعادت صياغة شخصية مالكوم إكس كلياً، من فتى شوارِع إلى الشخصية المُلهمة المثقفة، واحد أبرز مناهضي العنصرية. في فترة سبع سنوات قضاها في السجن علّم نفسهُ تعليماً ذاتياً، فبدأ متدرجاً بتحسين خطه وإملاءه اللذان كاد أن ينساهما، نسخ المعجم كاملاً بكل الفواصل والعلامات صفحةً صفحة، وكمية كبيرة من الرسائل في مجملها لا تقل عن مليون كلمة، كانت بالنسبة له قاعدة معرفية مهمة جداً، ثم صار يقرأ الكُتب بنهمٍ شديد وصار لا يُرى إلا وفي يديهِ كتاب. وفترة الدراسة المستفيضة في يومه تقارب الخمس عشرة ساعة. إذاً كان لا ينام إلا ثلاث أو أربع ساعات. فترة السجن هذه رسخت ثقافته وأرست قواعد حصيلته المعرفية اللتان خدمتاهُ كثيراً في قضيته لمكافحة العنصرية، وكان يقول إنه لم يكن ليتعلم في الجامعة ما تعلمه في السجن.

أما شيخ الإسلام ابن تيمية ففي حياته في السجن، بعدما اعتُقل في يوم 6 شعبان سنة 726 هـ، أظهر السرور بانتقاله إلى القلعة. ولما انتقل إليها عكف على العبادة وكثرة قراءة القرآن، وعمل المطالعة وتنقيح كتبه؛ وقد كتب خلال هذه الفترة كثيراً من تفسير القرآن، وعمل أيضاً على التأليف، والرد على بعض المسائل، وكانت تصل إليه من الخارج الأسئلة العلمية والفقهية. ومن بين ما كتبه في الحبس رسالة اسمها (الإخنائية) في الرد على أحد القضاة المالكيين في مصر القاضي (عبد الله بن الأخنائي). فاشتكى القاضي للسُلطان، فأصدر السلطان مرسوماً بمصادرة جميع ما عند ابن تيمية من أدوات الكتابة والكُتب، حتى لا يستعين بها في التأليف والكتابة. وفي 9 جمادى الأولى سنة 728 هـ صودرت جميع أدوات الكتابة منه، ومنع منعاً باتاً من المطالعة. وفي مستهل شهر رجب 728 هـ حُملت مسوداته وأوراقه من المحبس إلى المكتبة العادلية الكبرى، وكانت نحو ستين مجلداً من الكتب، وأربع عشرة ربطة كراريس. ويُذكر أن ابن تيمية بعد مصادرة أدوات الكتابة منه، بدأ يكتب بالفحم على أوراق متناثرة، وقد حفظ التاريخ بعض هذه الكتابات.

أما الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش، فقد ألف في الفترات المتفاوتة التي قضاها في السجن أبرز نتاجه الفكري وهو الإسلام بين الشرق والغرب، الذي يمثل رؤيته ويصب فيه فلسفته والذي يجوب فيه في عوالم الدين والإنسان ومصطلحات الحضارة والثقافة والفن والطبيعة والخلق والأخلاق والمادية والإلحاد والشيوعية ومواضيع عديدة يناقشها ذلك الكتاب. وكما ألف أيضاً كتاب (هروبي إلى الحرية) والذي كان قد كتبه في سجن فوتشا بعد اعتقاله في الثمانينات في الفترة ما بين (1983 – 1988) يتناول كتاباته وما تعرض له في عهد تيتو، حيث مكث في سجنه أعواماً طويلة، وكان فيها يخلد إلى أفكاره ويناجي خواطره ويسجلها في ظروف صعبة، ثم جمعها في كتابه، والذي عبر فيه عن طموحاته وآماله وتطلعاته. يتضمن الكتاب حشداً كبيراً من الأفكار والتأملات والاعتقادات في موضوعات منفصلة، وعن بعض الحقائق، وعن ملاحظات هامة، ويلحق بالكتاب رسائل وصلت إليه من أولاده في أثناء سجنه تمثل هروبه العاطفي وظروفه وأسرته وحريته اللامحدودة وهو في السجن. فهذه امثلة على عجالة ومقتطفات ممن سُجِنوا فكان السجنُ عليهم فتحاً وعوناً.