حدث في مثل هذا اليوم

BLOGS الدولار و الليرة التركية

حدث في مثل هذا اليوم من عام 1981م أن أبصرتُ عالماً متناقضاً فيه من الكذب والنفاق والزيف الكثير، كبرتُ وكبُر نفاق العالم وإجرامه بتناسبٍ طردي مع تقنيةٍ وظّفَها للقتل والاستبداد رغم مشاهدتنا آنذاك لفِرق الإنقاذ الأمريكية وهي تُهرع لتخليص جروٍ علقت رجله في شبكة صرف صحي!، واستنفار مثيلتها فرنسا لإنقاذ قطة صعدت على خشبة كهرباء، أو رعايةٍ لقرد يعاني مرض التوحد! حاولوا إقناعنا -نجحوا مع البعض أو ربما كثيرين- بأنهم بلدان مفعمة وطافحة بالإنسانية والديمقراطية وما إل.. ، لكنها كما نرى.. قيمٌ عنصرية خاصة بهم وهو ما برهنته الأحداث والمواقف مراراً وتكراراً.

تخليص القطة والجرو يتم بينما آلاف الناس يُقتلون جماعياً في الزمن نفسه وربما في الوقت ذاته، دون تغطية إعلامية بحجم المأساة التي كانت تحدث في البوسنة والهرسك، على مرأى المجتمع الدولي الذي يمثل الخذلان العالمي، فقد أصبح العداء علناً وبدون أدنى ذرة خجل، فبينما يقتل مئات آلاف المسلمين في بورما وسوريا وفلسطين والعراق واليمن جلهم من الأطفال والنساء، ويهجّر ملايين مع تغاضي هذه الدول ومثيلاتها، بل وبدعم منها أحياناً، تجد الاهتمام بمؤسسات الرفق بالحيوان أكثر من الاهتمام بمؤسسات حقوق الإنسان التي تعمل على حماية أحياء من البشر على حد زعمهم.

في سوريا الجريحة تعرّتْ إنسانيتهم وقيمهم، سقطوا أخلاقياً وإنسانياً، قُشرت وكُشطت كل مساحيقهم الزائفة التي خدعوا بها البعض لفترة طويلة، فلجأوا إلى خطوطهم الحمر في مواجهة بشار.. تاجروا وساوموا على دماء السوريين، عملوا جاهدين بكل تقنياتهم وخبثهم في إدارة ما اسموها الأزمة السورية، والحقيقة أنها ثورة شعب على حاكم يترأس نظاماً فاشيّاً لا يعرف من اللغات سوى لغة القتل والدمار. بعد أن عاقبوا صدام حسين على فرية أسلحة دمار شامل لم تثبتْ بل كانت زائفة، وثبت زيفها بتصريحاتهم، نرى مكافأتهم لطاغيةٍ بإبقائه في سلطةٍ متوجة بدماء الأطفال، وهو الذي استخدم جميع أنواع الغازات السامة، فكيف تحكمون أم لكم كتابٌ فيه تدرسون؟!

لا يحق لنا أن ننتقد أو نعتب على بلدان عُرفت بعدائها لنهوضنا وتقدمنا منذ الأزل، ولكن ما بال بعضنا يلمّع إنسانيتهم وديمقراطيتهم وانفتاحهم المزيف

عملوا على إنشاء منظمات وجمعيات عادلة تقوم بمهامها على أكمل وجه عندما يتعلق الأمر بهم، بينما تتجمد هذه الشمّاعات عندما يكون إنصافاً لغيرهم، فمجلس الأمن لا يصوت على إدانة بشار، ومحكمة الجنايات الدولية يصلها مئات التقارير عن إبادة الأطفال في سوريا واليمن وبورما، ولكننا لا نرى أي تجريم للفاعل!

تختلف الشعارات من وقت إلى آخر وتتنوع التبريرات بتنوع الأحداث الجارية في العالم تحديداً في العالم الثالث..، فالرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما صرّح في بدايات الثورة السورية بأن بشار الأسد فقدَ شرعيته وعليه أن يرحل، خلافاً لموقف الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الذي عبّر عنه العام الفائت بقوله: إنّ بلاده غيرت سياستها تجاه سوريا، في مسارٍ مختلف عما اتّبعه سابقاه نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند بتمسكهما بشرط رحيل الأسد، رحل ساركوزي وهولاند وأوباما، وربما سيرحل ماكرون وترامب.. ولم يرحل بشار!

غريب الأطوار "دولاند ترامب" خليفة "أوباما" في أرض أمريكا، وبتغريدة على التويتر يتلاعب باقتصاد دول، فما بالكم لو أراد أن يزيح نظاماً كنظام بشار؟! لا يحق لنا أن ننتقد أو نعتب على بلدان عُرفت بعدائها لنهوضنا وتقدمنا منذ الأزل، ولكن ما بال بعضنا يلمّع إنسانيتهم وديمقراطيتهم وانفتاحهم المزيف. هم متطورون -نعم- في مجالات كثيرة -لا ننكر ذلك- ولكن هل هذا عائد إلى كون عقولهم أكبر من عقولنا؟! أو لأن تكوين أدمغتهم يختلف عن تكوين أدمغتنا؟! الأمر بالتأكيد ليس كذلك، وإنما تفوقوا علينا بخبثهم وكذبهم، تفوقوا علينا بسذاجتنا وكرهنا لبعضنا.  فالمكر الغربي والاستبداد الداخلي لا يواجه إلا بالوحدة والتلاحم، لذا عملوا على تشتيتنا دولاً وشعوباً وقبائل، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

مشكلتنا -نحن- كعرب ومسلمين مع ما يسمى بالدول العظمى يكمن في نظرتها إلينا، فهي تتلاعب بنا حتى لا ننهض ونزدهر، فالولايات المتحدة على سبيل المثال ترفض قوة تركيا وازدهارها، فحاولتْ قبل عامين إحداث انقلاب عسكري بدعم من دول عربية كالسعودية والإمارات، وعندما فشلوا بإسقاطها عن طريق العسكر، حاولوا إسقاطها بحرب اقتصادية بدأتها الدولتان (المسلمتان) بسحب مستثمريهم للعملات الصعبة، ليكملها الرئيس الأمريكي ببعض التصريحات، متزرعاً باحتجاز تركيا للقس أندرو برانسون فخلقت تصريحاته وتغريداته نوعاً من الفوضى في الأسواق التركية وتذبذباً حاداً في سعر الصرف، ما أجبر بقية المستثمرين الفعليين على تجميد استثماراتهم.

لكن وكما فشلوا في دعمهم للانقلاب العسكري سيفشلون الآن، وتنقلب حسرةً عليهم، وستنهض منها تركيا أبرز الدول الداعمة للمظلومين أقوى مما كانت عليه. أفهم ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية وأفهم غايتها، لكنّ السؤال الذي لا أجد له جواباً: ماذا فعلت تركيا للسعودية والإمارات؟! حدث في مثل هذا اليوم وليتَه لم يحدث!