معنى أن تكون سوريًّا!

blogs - سوريا

أن تكون سوريّاً يعني أنَّك ذاك الإنسان الَّذي يقف على ناصية الهموم راجياً منها أن تكون حُلماً، ذاك الإنسان الَّذي يبحث عن قنديل ونجمة كي يوقد عتمته الَّتي أهلكتهُ، ذاك الإنسان الّذي أبحر في سفينته فخرقتها صَّخرة فتحطمت وغرقت في بحرِ الأسى. معنى أن تكون سوريّاً؟ جرّب قليلاً، جرّب أن تضيع، جرّب أن تموت آمالك أمامك وتُنحر طموحاتك أمامك كما تُنحر الإبل، جرّب أن تكون لعبةً بيد أحدهم جرّب أن تكون (كركوز وعيواظ)

 أن تكون سوريّاً أي أن الشَّوارع والأزفة الَّتي كنت تسير فيها منذُ طُّفولتك للذهاب إلى مدرستك أو مكان عملك تراها اليوم مهدَّمة، تقفُ على أطلالها كأنَّك امرؤ القيس حين أنشد: قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ. أن تكون سوريًّا يعني أن تاريخ أرضك العريق المتجذر في كل الحضارات الإنسانيّة لا ينفعك قيده أنملة،  ما قدمته بلادك عبر التاريخ لكل العالم لا ينفعك ولو قليلًا. تخور قواك بينما كُنت في الأمسِ القريب سنداً وظلَّاً ومنارةً يلجأُ إليك الحيارى من كلَّ صوب، تتشرد فلا شبر أرض يستقبلك وحزنك، تموت فلا قبر يضمك. أن تكون سوريّاً يعني أنك في وسط صَّحراء مقفرة تحيط بك الوحوش تنتظر اللَّحظة المواتية لتنقض عليك وتشرب من دمِك.

تذهب للجامعة أو المدرسة فيقول لك الأستاذ أن ملامحك سوريّة فتبتسم وتقول له نعم، كيف عرفت؟ من تلك الحرب التي في عينيك من لهيب المدفع وصوت الرصاص.

في عرض البحر يضيعُ قاربك ويضل الطريق فتتجمع من حولك أنواع الأسماك علها تظفر بقطعة لحم من جسدك المثقل بالجراح. أن تكون سوريًّا يعني ملكك لأصدقاء هم أول من يتخلى عنك وأول من ينهش منك، وأول من تسبب فيما أنت عليه، وأول من خان وآخر من أعان. أن تكون سوريّاً يعني أنَّك مغمض العينين تسير وتدور حول السّاقية فلا تستطيع أن تبلغها فتسكت الظمأ الَّذي أنهكك، أن تكون سوريّاً يعني أنَّك عندما قررت أن ترفع رأسك ذات رَّبيع جلبوا لك الشذاذ والرّعاع كي يسحقوا جمجمتك و يدوسكَ حتى تموت، يعني أن تكون في المعتقلاتِ كأنَّك غير موجود على هذه الأرض لا ترى النّور بل الظلام، حتى تتعود فتصبح كأنَّك خُفاشاً يمارس ضدك أشدّ أنواع التعذيب قساوةً فإما أن تموت وإما أن تعود لأهلك بعد أن تفقد كلّ مقومات الحياة.

أن تكون سوريّاً كأنك فأرَ تجارب، ينعم النَّاس بزخاتِ المطر بينما أنت الوحيد الَّذي يسقط عليك بدل المطر أنواع لا تُحصى ولا تُعد من الصواريخ و القذائف و البراميل المتفجّرة. ثم ماذا هل هكذا يعيش الإنسان؟ نعم هكذا يعيش السوريّ، إن كان في أرضه نهشت الحرب جسده وإن كان خارجها أحرقه الشوق ولفحه لظى الحنين. جرب أن تسير في شوارع مدينة غير مدينتك والكل ينظر إليّك إلى تلك الملامح العربيّة والسمرة والدعج في العينين والأهم ذاك العبوس والقهر والبؤس، ترى الناس حولك يضحكون وأنت تعقد الخيط تحاول أن تفكه فلا تستطيع، وأنت تذهب لبائع الخبر في دولةٍ عربيّةٍ فيعرف أنّك سوريًّا فيبدأ بتفتيح الجروح يذكرك بالخبز الطري المرقوق ورائحته الشهية بينما أنت تحاول ألا تتذكر فيرغمك الحنين على ذلك.

جرب أن تذهب للجامعة أو المدرسة فيقول لك الأستاذ أن ملامحك سوريّة فتبتسم وتقول له نعم، كيف عرفت؟ من تلك الحرب التي في عينيك من لهيب المدفع وصوت الرصاص. هنا يا صديقي تشعر وكأنك في وسط معمعة الحرب تحاول الهروب فلا ملجأ ولا منفذ، فتخور دموعك تحاول أن تحبسها فكأنك تحاول أن توقف الحرب فلا جدوى من ذلك. إن الشوق قد أدمن أضلعي وكان الفراق شيء فوق طاقتي، ضعفت روحي وسلكت طريق العبور إلى الفلاء لعلي أكون تائهاً لا يذَكرني أحد بسوريتي، لعلي أموت غريباً، يبعث الله لي غرابًا يدفنني أو سيلًا يطمر جثتي، أريد ألا أتذكر لعل الزهايمر يُصيبني فتمحى ذاكرتي كأني ولدت من جديد. أن تكون سوريّاً، فكل ما عليك أن تحمل جواز السفر وحقيبتك المملوءة بالذكريات الخالية من كل مقومات الحياة تبحث عن مكان يسدي لك خدمةً ألاّ وهي الإيواء.