فقه المجتمع.. بين التضييع والتمييع!

blogs قرآن

القرآن هو كلام الله القديم، المتصف به منذ الأزل، لكن الآيات القرآنية نزلت منجمة ومفرقة بحسب الواقع والوقائع، مراعيةً الظروف البيئية والمجتمعية للمكلفين والمُخاطَبين، فكانت الآيات مرتبطةً بأسباب نزولها، والوحي الإسلامي عموماً جاء يراعي أحوال الناس ومصالحهم، وينظر في عوائدهم وأعرافهم وأحوال مجتمعاتهم، فكان التشريع الإسلامي لا ينزل بساحةِ قوم حتى تتوفر ظروف التنزيل والتفعيل، فلم يُخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالحجاب حتى صلحت عقيدتهم، ولم تنزل آيات تحريم الخمر حتى أقام الناسُ الصلاةَ أولا، وعندما أصبح الجوع متفشيا في المجتمع أوقف عمرُ حدَّ السرقة، وعندما كثر الكذب على رسول الله وخيف من دروسِ العلم وضياعه أمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة وجمعها، وهكذا كانت سنةُ القرآن والسنةِ ماضيةً في طباق وجناس مع ضرورات المجتمع وتحدياته، وعلى هذا النهج سار الصحابة والتابعون وهم رواد الفقه وأيمة التنزيل. 

بل ما فتق الوحي أبواب السماء أصلاً ونزل على الأرض إلا لحاجة المجتمع له، فجاء الوحي ليصلح ما في الواقع من فساد ويرفع ما فيه من كفر وشرك وضلال، لكن وإن كان هذا هو المقصد الأسمى والموقد الأحمى للشريعة، فقد أساء فهمه وتوظيفَه اليوم طائفتان من الفقهاء.

الطائفة الأولى:

طائفة اعتكفت على حفظ المتون واستظهار المصنفات الفقهية وسرد النصوص والأحاديث والروايات وأقوال الرجال، فعاشوا متهالكين عالقين في عصور ماضية وربطوا واقع زمانهم بوقائع قد خلت وارتحلت مع من سبق وأبق، فكثير من تلك النصوص والروايات والفتاوى لها وقائع وسياقات وأسباب ورود لا يجب أن تُعزل عنها، ومن يغترف من واقع غيره لواقعه كمن يحمل دواء الرأس فيدهن به رجله، أو كمن يشرب مُرهم الجرح ويأكل الضمادات، فليست العبرة بامتلاك الدواء، بل بحسن استعماله.

 

كانت المذاهب متعددة بتعدد وقائع المجتمعات وأحوالها، فلم يكن مذهب أهل الشام يصلح لأهل المغرب ولا العكس، بل والمذهب الواحد أصبح متفرقاً لمذاهب صغيرة

وخير شاهد هو المذاهب الفقهية التي تفرقت في عصر واحدٍ إلى عدة مذاهب كل حسب مجتمعه، فنشأ مذهب الإمام أبي حنيفة في العراق موافقاً لبيئتها المختلطة وثقافاتها المتعددة وتلاقحها مع الحضارات والشعوب، فكان مذهب الأحناف كثيرا ما يعتمد على الرأي والقياس والاستحسان وتقليل الرواية، بينما في المدينة التي كانت الحياة فيها بسيطة وهادئة نشأ مذهب مالكٍ إمام دار الهجرة، فكان أكثر اعتماداً على الرواية والأثر والنصوص، لوفرة الحديث بمدينة رسول الله عليه السلام وقلة الوضَّاعين وبساطة العيش، ثم عندما ظهر فكر الاعتزال في المجتمع ونشأ الغلو في الاعتماد على العقل، بان مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل، فكان أكثر نبذاً للآراء والنظريات وأكثر رجوعا للنص والأثر.

 

هذا في عصر واحدٍ تقريبا وكانت المذاهب متعددة بتعدد وقائع المجتمعات وأحوالها، فلم يكن مذهب أهل الشام يصلح لأهل المغرب ولا العكس، بل والمذهب الواحد أصبح متفرقاً لمذاهب صغيرة، فليس مذهب المالكية بمصر هو مذهبهم بالعراق، وليس مذهب العراق يشبه مذهب المدينة، وليس مذهب المدينة هو مذهب المالكية بالأندلس والمغرب، فهذا الأخير كان أكثر مخالفة لفروع المذهب وإعمالا للاجتهاد الفقهي والمصالح والبناء على الأعراف، وذلك لطبيعة المذهب المالكي الأندلسي الذي اندمج مع بيئة الإسبان والبرتغال وهوامش فرنسا وأبرار المغرب، فكان من شبه المستحيل تقريباً أن يقوم مذهب كمذهب أحمد رحمه الله في بيئة كالأندلس، وعلى كثرة المذاهب التي نشأت بالمغرب الإسلامي، لم يعش منها إلا مذهب إمام دار الهجرة، لقوة وكثرة أصوله واتساعه وتمططه وتمدده مع أحوال الناس تَمَّ ومجتمعهم.

فمن العيب أن البعض في عصرنا الحالي يعكف على إخراج فتاوى للأمة ومشاكلها المعاصرة وتحدياتها الراهنة من مصنَّفٍ فقهي ألفه صاحبه في عهد هارون الرشيد، ومن العيب أن نحمل فتاوى الشافعي لأهل مصر في ذلك العصر على واقع عصرنا الحالي ونوازله الجديدة وقضاياه الحادثة والحديثة، وللأسف الشديد ففقهاء النصوص هؤلاء موجودون بكثرة ووفرة، بل يتصدرون الكراسي والمناصب ويعلون المنابر.

 

فتجد الفقيه منهم لا ينزل إلى السوق، ولا يخالط الناس، ولا يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يطالع الأخبار، بل يعكف على نظمه يحفظه خلف الجبل أو خاليا في بيته منعزلا عن العالم، فإذا أتمَّ حفظه خرج يفتي به إلى قوم يعيشون في عالم آخر تماماً، ولا أطيل في هذا، فالفقه يرتبط بالمجتمع ارتباطاً وثيقاً ولا يجب فصل رأس هذا عن جسد ذاك، بل وفي العصر الحالي لا يجوز أن يُفتي فقيه مصري أو سعودي لأهل الجزائر وتونس، لأنه لا يعرف أعرافهم ولا يدري مجتمعهم، بل والفتوى في المجتمع الواحد تُخصَّصُ حسب الأفراد وحالاتهم، فقد تحرم الفتوى في النازلة الواحدة على عمرٍ وتُباح لزيدٍ وتجب على سلمى.

الوسطية أمر ثابت بالنص والعقل، وكذلك جعلناكم أمة وسطا، أي عدولاً لا تَفْرِطُون ولا تُفرِّطون، فمن عزل النصوص والأدلة عن المجتمع فقد أساء ولم يحسن
الوسطية أمر ثابت بالنص والعقل، وكذلك جعلناكم أمة وسطا، أي عدولاً لا تَفْرِطُون ولا تُفرِّطون، فمن عزل النصوص والأدلة عن المجتمع فقد أساء ولم يحسن
 
الطائفة الثانية:

وهذه على طرف النقيض تماماً من الأخرى، تُخالفها في المقدمة وتشارِكها في النتيجة، وهي الطائفة التي اتخذت المقاصد والمصالح و ونوازل المجتمع وتغير الزمان والمكان شمَّاعة وقنطرة تعبر فوقها لهدم النصوص ومقاصد الشريعة، فجعلوا الأحداث الحادثة مسبَّة يتألَّون بها على الآيات والأحاديث، ويلوون بها أعناق النصوص ويتجاسرون على ما حسم فيه النص الثابت بالقطع، فصارت آيات المواريث محلا للنقاش مع من هب ودرج، وأصبحت وصاية الله وتقسيه جل في علاه للتركة من فوق سبع سماوات قابلة للتعطيل بسبب ذلك العمِّ الأسطوري الذي سيأتي من قارة زعلوكيا ويأخذ الدار لبنت أخيه. وصار الحجاب والستر والعفة مجرد وسيلة معفي عنها والغاية هي كسب النقود ولو بارتكاب المحرم، بل وصارت الربى التي قطعت فيها نصوص الشارع بالتحريم الذي لا يدخله التأويل أمراً مستباحاً بداعي الحاجة والإرضاء العائلي أو المجتمعي، ومن غريب ما سمعنا وسبق إليه الأواخر الأوائل: أن الاقتراض الربوي يُحلَّل حتى تتنعم الأسرة بكبش مليح أقرن.

معاذ الله أن تصير سنن الشرع مبيحة لمحارمه، هذا إذا أسلمنا أن المُبيح أصلا هو امتثال السنة لا إشباع البطن أو التباهي أمام الجيران، فصحيح أن الشرع يراعي ضرورات المكلفين، وما يحرم للحاجة يباح للضرورة، وجاءت الشريعة أساسا لدفع الحرج والمشقة وجلب اليسر والرحمة، لكن الضرورات تقدر بقدرها، ولا يجوز في غير الضرورة القصوى أو الحاجة الملجئة أن يستباح النص في حماه، وهذا مثال واحد وقس عليه عدد الفتاوى الاجتماعية الهيومانية التي خرج بها بعض الأدعياء والفقهاء الذين نحترمهم ونسأل الله أن يهدينا وإياهم، أما فقهاء الفيسبوك ودعاة الجماهير والدستور الفرنسي فهؤلاء لا حديث عنهم، والقلم عنهم مرفوع وعورتهم مكشوفة، لكننا نعيب أن يصدر هذا عن أهل الفن وحراس حدود الشريعة، ومن نأمل فيهم قيادة سفينة الشرع إلى بر الأمان.

خلاصة:

الوسطية أمر ثابت بالنص والعقل، وكذلك جعلناكم أمة وسطا، أي عدولاً لا تَفْرِطُون ولا تُفرِّطون، فمن عزل النصوص والأدلة عن المجتمع فقد أساء ولم يحسن، وكان كمن يعطي الصحيح دواء المريض أو العكس، ومن ركب على المقاصد والمصالح وفقه المجتمع لكسر ظهر الشريعة فقد أتى بدين جديد صنعته أبواق الإعلام والشركات الكبرى والعولمة العالمية وهو يروج لهذا الوثن ويسمِّيه إسلاماً.